مقالة الشيخ كمال خطيب: “علماء السلطان، ضباط في كتيبة الشيطان”

الشيخ كمال خطيب
إنها قصة وحكاية الشيطان لما يتمكن من الإنسان فيصبح الإنسان أستاذًا ومعلمًا ومرشدًا للشيطان، بينما يصبح الشيطان مقلدًا وتلميذًا وتابعًا له، ويتعلم منه. إنها قصه الحبر والعالم الكبير من علماء بني إسرائيل “بلعام بن باعوراء” والذي ولثقة نبي الله موسى عليه السلام به فقد أرسله إلى فئة من قبيلة مدين كانوا كافرين يدعوهم إِلى الله سبحانه وعبادته وتوحيده. فيقف بلعام مرشدًا وهاديًا وناصحًا، ويقف الشيطان له بالمرصاد عدوًا لدودًا حتى كاد الشيطان أن ييأس منه لشدة إيمانه وقوّة حجته لولا أن الشيطان اهتدى إلى نقطة الضعف عند هذا العالم، ولعلها نقطة ضعف كل إنسان بل وكل عالم، إنه الذهب وبريقه، فوسوس إلى كبراء القوم أن يجمعوا من الذهب الكثير ويضعوه بين يديّ بلعام هدية منهم وعطاءً مقابل أن يسكت عنهم ويرحل من بينهم ويدعهم على كفرهم.
ولأن للذهب بريقه الذي يذهب ويلعب بالعقول، فقد فقيل إنه ما سمّي الذهب ذهبًا إلا لأنه سريع الذهاب، وهو أول ما يتركه صاحبه عند موته ولا يذهب معه إلى قبره. وقيل إنه ما سمّي الذهب ذهبًا إلا لأن الإنسان ما أن يراه فإنه يذهب بعقله ويذهب بنياته فيغيّرها ويقلب توجهاته ومواقفه. وقد نجحت الخطة ووقع بلعام في الشرك والفخّ الذي نصبه له الشيطان، فقبل بالذهب والمال وأخذه وسكت وترك دعوة الناس إلى الدين الذي جاء به موسى عليه السلام، لا بل إنه أدار الظهر وجفا موسى ورب موسى سبحانه.
ولقد أنزل الله تعالى في قرآنه آيات خالدات تتحدث عن قصة هذا العالم المفتون من علماء بني إسرائيل {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [175- 176 سورة الأعراف].
لقد أنزل الله قصة فتنة هذا العالم من علماء بني إسرائيل في قرآنه الذي أنزله على محمد ﷺ لعلمه سبحانه أن فتنة العلماء بالذهب وبالمال ستصيب علماء المسلمين وليس فقط علماء بني إسرائيل، فيديرون الظهر لدعوتهم وينخرسون عن كلمة الحق أمام بريق الذهب ولمعانه وفتنته.
ضباط في كتيبة الشيطان
وإنها آيات الله تعالى، وإنها مدرسة القرآن تعلمنا حقيقة ما يصل الإنسان إليه حين يُفتن وحين يقع في شباك الشيطان وغوايته. فلقد استخدم القرآن الكريم لفظ {فَانسَلَخَ مِنْهَا} [175 سورة الأعراف] في قوله سبحانه ووصفه للردّة والانعطافة التي كانت من ذلك العالم والحبر الكبير من علماء بني إسرائيل، بل والأقرب إلى نبيّ وكليم الله موسى عليه السلام، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا } [175 سورة الأعراف].
إن القرآن الكريم لم يستخدم لفظ فانفصل عنها، ولم يقل فتركها، ولم يقل فابتعد عنها، لأن الذي يبتعد يمكن أن يعود ويقترب، ولأن الذي ينفصل عن الشيء يمكن أن يرجع إليه، أما الانسلاخ وهو كشط الجلد عن اللحم فيستحيل ولا يمكن أبدًا بعد الانسلاخ أن يعود الجلد إلى اللحم. وهكذا فإن ذلك العالم المفتون قد فُتن وابتعد وانسلخ عن دعوته ودينه ورسالته، وأن عودته غير ممكنة ومستحيلة كاستحالة أن يرجع الجلد فيلتحم باللحم من جديد، ولذلك كان العرب إذا أراد أحدهم أن يترك شيئًا ولن يعود إليه فإنه كان يقول: “لا أرجع إليك حتى ترجع الشاة إلى جلدها”.
وليس أنه فقط قد انسلخ عن آيات الله، وإنما هو الذي انقلب إلى القبح وبشاعة المظهر، لأن آيات الله كانت تزيّنه وتزيده هيبة، فلما انسلخ عنها فقد أصبح ذميمًا قبيحًا مسلوخًا، وهكذا يصبح حال الإنسان لما ينسلخ عن دعوته وقرآنه ودينه وأخلاقه.
إن الدين وآيات الله تحمي الإنسان من عوادي الزمان كما يحمي الجلد الجسم، فإذا انسلخ الجلد عن الجسم فإنه يصبح مكشوفًا وعرضة لكل الأمراض والأوبئة، وكذلك يصبح الإنسان المنسلخ عن دينه وهويته عرضة لكلّ الفتن والشهوات.
إنه ولشدة انسلاخ ذلك العالم من علماء بني إسرائيل عن دينه وقد أوقعه الشيطان في فخّ فتنة المال وبريقه فابتعد عن آيات الله، حتى أنه غرق في الشيطنة لدرجة أن الشيطان أصبح يتعلّم منه فنونها من الإثم والمعاصي، فإذا كان هو قد تبع الشيطان في البداية فقد وصل به الحال إلى أن أصبح الشيطان يتبعه {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [175 سورة الأعراف] فأصبح الشيطان تابعًا وهو متبوع، وأصبح الشيطان تلميذًا منه يتعلم وهو الأستاذ يعلم الشيطان ويدلّه على فنون الشيطنة، وقد قال الشاعر في وصف ذلك الحال:
وكنت امرءًا من جند إبليس فانتهى بي الفسق حتى صار إبليس من جندي
حين يغفو الضمير
لقد وصل الحال بذلك العالم والحبر الكبير، بل والموفد ومبعوث موسى عليه السلام، إلى أن يتردّى إلى أسفل سافلين {وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [176 سورة الأعراف]. وحين يغفو الضمير وتنام النفس على هدهدة الشهوات كما ينام الطفل على هدهدات أمّه، ويذهب وازع الخوف من الله تعالى بل وانقطع اتصاله بالسماء، لما أصبح كل اتصاله وإخلاده إلى الأرض، فإنه يتحول إلى مسخ وجسم مسلوخ، ويصبح ضعيفًا لأنه ركن إلى الأرض وتعلّق بها وهي التي لا أمان لها، وما أصدق ما قال الشاعر:
تالله لو عاش الفتى في دهره ألفًا من الأعوام مالك أمره
متلذذًا فيها بكل نفيسة متنعمًا فيها بنعمى عصره
لا يعتريه السقم فيها مرة كلا ولا ترد الهموم بباله
ما كان هنا كله في أن يفي بمبيت أولى ليلة في قبره
إنه ذلك الإنسان الذي انسلخ عن دينه ودعوته ورسالته أمام بريق ولمعان المال ومثله بريق المنصب، فإنه خلال سقوطه وانسلاخه فإن الشيطان يصفّق له ويهتف له ويدعوه للمزيد من السقوط والانسلاخ حتى يخلد إلى الأرض وتحيط به الذنوب والاخطاء من كل جانب. إنه مال إلى الأرض واتبع هواه فوقع في مرض الهوى الذي أعيا الأطباء، وهو المرض الذي حذّر القرآن من اتباعه {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} [23 سورة النجم] ، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [26 سورة ص]، {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [16 سورة محمد] ، {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [28 سورة الكهف]
إنه ولشدة قبح سلوك ذلك الذي يلبس عباءة الدين والدعوة ثم يبتعد عنها فقد وصفه الله في قرآنه بصفتين ذميمتين: الأولى قوله سبحانه: {فَانسَلَخَ مِنْهَا} [175 سورة الأعراف]، وقوله سبحانه: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [176 سورة الأعراف]، إنه التشبيه بالكلب مع أن الكلب قد يكون أمينًا فلا يعرف الخيانة لصاحبه، وأن الكلب يؤدي دوره في حراسة بيت أو قطيع صاحبه، لكن من الناس وبسبب ترديهم وسقوطهم وشيطنتهم، من يصبح الكلب أوفى منهم وأكثر إخلاصًا.
ولقد حصل أن رسول الله ﷺ قد مرّ يومًا بالطريق فوجد رجلًا مقتولًا وملقى على الأرض، فسأل ﷺ عمّن يكون هذا الرجل وعمّن قتله، فقيل له: يا رسول الله إن هذا الرجل سطى على غنم بني زهرة فخرج عليه كلب الغنم فقتله. فقال ﷺ في حق القتيل ثلاث كلمات خالدات يجب أن تكون وتظلّ تذكرة وتعيها أذن واعية، فقال: “قتل نفسه وأضاع دينه وكان الكلب خيرًا منه”.
إن حال المنسلخ عن دينه ودعوته ورسالته يصبح دائمًا في تعب ولهاث، {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} [176 سورة الأعراف]. فالكلب دائمًا في لهاث، في التعب والراحة، في الجوع والشبع، في الظلّ وفي الحرّ، وهكذا هو حال من ينسلخ عن دينه ويتبع هواه ويغرق في بحر معاصيه ويخلد إِلى الأرض، إنه حال طلّاب الدنيا فهم دائمًا في تعب وقلق ولهاث،في ليلهم ونهارهم، في غناهم وفقرهم، في صحتهم ومرضهم، إذا أعطوا من الدنيا طلبوا المزيد، وإن لم يعطوا منها حزنوا وابتأسوا.
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها
علماء على أعتاب الأمراء
إنها آيات الله وهديه الذي أنزله على موسى عليه السلام، هي التي رفعت مقام ومكانة بلعام بن باعوراء لمّا تمسّك بها، وهي نفسها التي هبطت به وأهانته لمّا ابتعد عنها وانحرف عن هديها {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} [176 سورة الأعراف.
وإنها آيات الله وهديه وقرآنه الذي أنزله على محمد ﷺ، هي التي رفعت مقام ومكانة من تمسّكوا بها واهتدوا بهديها. فقد ارتفع مقام عمير بن وهب من شيطان قريش إلى أن يصبح صاحب رسول الله ﷺ، وهي التي رفعت مقام إبراهيم بن أدهم من ذلك الشرطيّ القاسي المتعدّي على حرمات الناس إلى ذلك الزاهد الفاضل، وهي التي رفعت مقام مالك بن دينار والفضيل بن عياض وقد كانا لصّين مشهورين وقاطعي طريق إِلى أن يكونا مضرب الأمثال في التقوى والاستقامة والعلم، ومثلهم كثيرون من مشاهير في الضلال والمعاصي من أبناء الغرب، وإذا بهم بعد هدايتهم واعتناقهم الإسلام يصبحون من خيرة الدعاة وأصحاب الفضل في هذا الدين.
وعلى العكس من ذلك، فما أكثرهم في هذا الزمان دعاة وعلماء ومشايخ وحفظة كتاب الله كانت لهم بين الناس مكانة وموقع إما لغزارة علمهم أو لفصاحة ألسنتهم أو لعذوبة أصواتهم، وما لبث هؤلاء أن اقتربوا من الحكام ووقعوا في فخّ رنين الفضة وبريق الذهب وحسابات البنوك وأموال السفارات الذي وقع به بلعام ابن باعوراء، وإذا بهم وبعد أن ارتفعوا بالدين والقرآن وإذا بهم ينزلقون وينحطون بتزلفهم ونفاقهم لأصحاب الجاه والسلطان، ملوكًا ورؤساء وأمراء، ويبررون أخطاءهم ويدافعون عن ظلمهم، ولا يشترط أن يكون ذلك الملك أو الرئيس هو محمد بن سلمان أو محمد بن زايد أو عبد الفتاح السيسي، فقد يكون دونالد ترامب وقد يكون بنيامين نتنياهو.
ما أكثرهم الذين تلفّعوا بعباءة الإسلام والدين فنالوا بها منزلة ومكانة، ولكن ولأن الله تعالى علم أنهم ما أرادوا بذلك إلا الدنيا والمصالح والمناصب، فقد أوكلهم الله إلى أنفسهم فأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم.
ما أكثرهم الذين سقطوا من عين الله فأسقطهم الله من عين الناس، وبعد إذ كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها ويتردد اسم الواحد منهم على كل لسان، وإذا بهم يتردّون وينحطّون إِلى أسفل سافلين يمقتهم ويذمّهم الناس كل الناس بعد إذ باعوا آخرتهم بدنيا الملوك والزعماء.
ما أكثرهم أولئك الذين أحبّوا خمسًا ونسوا خمسًا كما ورد في الأثر، فكانت معيشتهم ضنكًا وأصبح بينهم وبين الله حجاب. إن الواحد منهم حين يحبّ المخلوق وينسى الخالق، ويحب المال وينسى الحساب، ويحب القصور وينسى القبور، ويحب الذنوب وينسى التوبة، ويحب الدنيا وينسى الآخرة، فإذا أصبح حال الواحد منهم كذلك، فإنه سيصبح هينًا على الله، فيكله إِلى نفسه ويسلّط عليه شرار خلقه.
ولا عجب أن نرى ونسمع أن أمثال هؤلاء يترامون على أعتاب الأمراء والزعماء، فيتقلدون المناصب وأعلى المراتب، بينما العلماء والدعاة الخيّرون يلاحقون ويطاردون ويقبعون في عتمات الزنازين والسجون لا لشيء إلا لأنهم رفضوا أن يبيعوا آخرتهم بدنيا الملوك، وعلموا أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر فقالوها. هؤلاء الذين تظلّ لهم في قلوب الناس مكانة لا تنسى لأنهم خير من حمل الرسالة وأدّى الأمانة وحتمًا سيأتي اليوم الذي فيه ستتحطم أبواب سجونهم ويخرجون منها مرفوعي الرؤوس أعزاء بعزة الدين الذي حملوه وانتموا إليه. أما الطفيليون والزاحفون أصحاب الكروش من علماء السلطان، فإنهم إلى مزابل التاريخ هم ومن تزلّفوا لهم ونافقوهم وباعوا دينهم لأجل دنياهم، وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.





