محطات فكرية

الزواج في مجتمعنا لماذا لا يستمر كما كان: حين تختل المنظومة لا ينهار الزوجان وحدهما

د. رائدة بدران | طبيبة اختصاصية في العلاج النفسي والادراكي.

1. الزواج ليس ثنائيًا خالصًا

في مجتمعنا، الزواج لا يُبنى على الشاب والفتاة وحدهما، بل على شبكة من العلاقات المترابطة التي تحيط بهما. الأهل، العائلة الممتدة، الأعراف، والتوقعات المجتمعية كلها أركان صامتة لكنها فاعلة. كثيرًا ما يجهل الزوجان تأثير هذه الأركان على حياتهما اليومية حتى تبدأ الخلافات بالظهور. فالفهم العميق للزواج يتطلب رؤية أوسع، حيث يكون لكل طرف من هذه المنظومة صدى في القلب والقرار، فلا يصبح الزواج مجرد معركة ثنائية بل ساحة حياة مشتركة تنبض بمجتمعها كله.

2. التضحية الأبوية: عطاء تحوّل إلى إشكال

كانت تضحية الأهل امتدادًا لحب لا يُقاس بالمقاييس، تعليم، بناء بيت، دعم مالي ومعنوي… لكنها كانت دائمًا مرتبطة بمكانة واحترام وكلمة مسموعة. في الزمن الحاضر، بقيت التضحيات موجودة، لكن المرجعية والمعنى تغيّرا. صار العطاء مقبولًا، لكن السؤال عن أثره أو دوره في القرار أصبح معقدًا. هنا يتبدى التصدع الصامت: دعم الأهل حاضر، لكن قوة التأثير اختفت، وأصبح كل طرف يحاول الموازنة بين الامتنان والاستقلال، دون أن يعرف طريقة العيش بهدوء في هذه المسافة الجديدة.

3. انفتاح الأبناء… وانقطاع الحوار

انفتح الجيل الجديد على العالم، وتكوّنت لديه رؤى وأدوات غير مألوفة للأجيال السابقة. صار لديه وعي بالاستقلالية والاختيار الفردي، لكنه أحيانًا يفتقد اللغة اللازمة للتواصل مع الأهل. وهكذا ينشأ توتر صامت: دعم مقبول، تدخل مرفوض، ومسافة ضبابية بين الحرية والاحترام. في هذه المساحة، كثير من النزاعات تنمو بلا صوت، وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى صراع صامت يُثقل العلاقة الزوجية قبل أن يراه أحد.

4. من الشراكة إلى ساحة إثبات الذات

الزواج، في جوهره، مساحة لتنظيم الاختلاف والتكامل بين شخصين، لكنه في كثير من الحالات يصبح ساحة لإثبات الذات: من الأقوى؟ من يتنازل؟ من ينتصر؟ في غياب مهارات الإصغاء وفهم الاختلاف، تتحول خلافات بسيطة إلى معارك تتعلق بالكرامة والهوية. ما كان من المفترض أن يكون مساحة تفاهم واحترام، يتحوّل إلى اختبار قوة وصراع هادئ يثقل قلوب الطرفين، ويستنزف الإرادة قبل أن يراه أحد.

5. الإرهاق النفسي: الضيف غير المرئي

الإرهاق النفسي لا يظهر غالبًا على شكل صراخ أو احتجاج. هو ضيف صامت، يثقل القلب والعقل، ويحوّل القرارات اليومية إلى مهمة شاقة. هو الإرهاق الاقتصادي، الاجتماعي، والعاطفي معًا، الذي يُفسر خطأً على أنه برود أو تقصير، بينما هو في الواقع تراكم ألم غير مرئي، صامت لكنه حاضر في كل لحظة. الطبيب يراه يوميًا، ويعرف أن فهم هذا الإرهاق هو مفتاح كل تدخل ناجح.

6. تعريف قديم للزواج في زمن متغيّر

الإنسان تغيّر، ووعيه بذاته، وحساسيته، وتوقعاته تطورت. ومع ذلك، ما زلنا ندخل الزواج بتعريفات قديمة لم تُحدّث لتلائم هذا التغيير. صار هناك فجوة بين ما يتوقعه الزوجان وما يستطيع المجتمع أو الأهل دعمه، بين ما هو مطلوب وما هو ممكن. هنا يظهر الصراع الحقيقي: العلاقة بين الوعي الجديد والطرق التقليدية للحياة، حيث يبقى الزواج يختبر القدرة على التكيف أكثر من اختبار الحب نفسه.

7. البعد عن الدين وتحكيمه في الزواج

الزواج في جوهره عقد شرعي، امتداد للقيم التي تهدف إلى حفظ الحقوق، وتأسيس الأمان، وتنظيم الاختلاف بين الطرفين بما يرضي الله. لكن في كثير من الحالات، تُهمش هذه الاجيال البُعد الشرعي، أو يُنظر إليه كمجرد طقس شكلي لا يحكم القرارات اليومية. عندما يغيب هذا التوجيه، أو يُترك للفهم الشخصي فقط، ولأهواء النفس ،تتحوّل القيم إلى رموز بلا صدى، وينمو الفراغ بين ما يُراد وما يُفعل. ينسى البعض أن الاحترام، الصبر، والرحمة ليست مجرد شعارات اجتماعية، بل روح الدين الحية في العلاقة الزوجية، وأن تقصيرًا في هذا الجانب يُضعف العقد قبل أن يظهر أي خلاف ظاهري، ويجعل الزواج أكثر هشاشة أمام ضغوط الحياة والتغير الاجتماعي.

8. المعالِج او الطبيب النفسي كشاهد متأخر

غالبًا لا يصل الاطراف العلاج إلا بعد أن تكون الأمور قد تعقدت، بعد أن انقطع الحوار، وتصلّبت المواقف، وتحولت الخلافات إلى صراعات صامتة لكنها ثقيلة. فيجد المعالج نفسه أمام منظومة متكاملة: الأهل، الزوجان، المجتمع… كلها متشابكة ومؤثرة، وليس أمامه مجرد زوجين في غرفة استشارة. وهنا يكمن التعب الحقيقي: فهم المسببات قبل أن يكون الوقت قد فات، ومعرفة كيف يُمكن أن يكون وجوده صوتًا للتوازن لا مجرد شاهد على الانهيار.

9. الطلاق كعرض… لا كجوهر المشكلة

الطلاق غالبًا ما يُنظر إليه كجوهر المشكلة، لكنه في الحقيقة عرض لخلل أعمق: تصدع العقد غير المكتوب بين الأجيال، غياب الحوار، عدم وجود أدوات لفهم الشراكة، وتحديات المجتمع المضطرب. فهم هذا يجعلنا نرى الطلاق ليس كعقوبة، بل كإشارة تحذير: البيت الذي بُني بحب وتضحيات قد يتصدع إذا لم نعد تعريف الأدوار ونُحدِّث لغة الزواج بما يتوافق مع التغيير الاجتماعي والاقتصادي.

خاتمة

ليست كثرة الطلاق وحدها ما يدعو للقلق، بل أن بيوتًا بُنيت بتضحية، وتصدّعت بصمت لأننا لم نُحدّث لغة الزواج، ولم نعد التفاوض على الأدوار بين الأجيال.

الوعي والرحمة والإصغاء وتحكيم القيم الشرعية بما يرضي الله تكوِّن أدوات الإنقاذ، والاعتراف بأن الزواج منظومة متكاملة هو الخطوة الأولى لفهم هذه الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى