الأخبار الرئيسيةقبسات إخباريةمحطات فكرية

مقالة الشيخ كمال خطيب: “إنّي لأجد ريح الفرج لولا أن تفنّدون”

الشيخ كمال خطيب

في زمن عربدة الباطل وصلفه، وفي زمن الشعور بالخذلان وقلة النصير، فما أحوجنا إلى تدبير العزيز القدير {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [4 سورة يونس]، {يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [5 سورة السجدة].

وحينما يسمع المسلم هذه الكلمة “يدبّر الأمر” فإنها تضفي على نفسه الطمأنينة والسكينة والهدوء بأن كلّ ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما فإنه رهن إشارته سبحانه، فما يريده كان، وما لا يريده سبحانه فإنه لا يكون، ولو أراد ذلك كل أهل السماوات وأهل الأرض.

إننا نعيش في الزمان الذي بلغ فيه الباطل من زهوه وانتفاشه إلى درجة أن البعض لا بل أن كثيرين قد أصابهم الشعور الآثم بأن هذا الكون يدبّره ويمسك بكل خيوطه ويتحكم بأزراره ذلك الأصفر العاهر في واشنطن، فيبتزّ حكام الخليج العربي وهم يبتسمون له تصنعًا وخوفًا، ويقصف إيران ويدمّر أسلحتها وهي ترتجف، ويخطف رئيس فنزويلا ويحاكمه، ويطلق يد نتنياهو ليبطش ويقتل ويشرّد شعبنا في غزة. إننا يجب أن نستيقظ من سكرة التصديق أن ترامب يفعل ما يريد، ونتذكر أن ربّ هذا الكون هو الله الفعّال لما يريد، ونستيقظ من سكرة التصديق أن ترامب هو ملك ملوك العالم يتحكم بكل شيء فيه، ونتذكر أن الله سبحانه {يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ} [5 سورة السجدة].

نعم علينا أن نستيقظ ونصحو من هذه السكرة لنعلم أن ترامب وحكمه وجيشه وأساطيله ومخابراته وطائراته غير خارجة عن إرادة وتدبير الله سبحانه بل جزء من قدر قدّره الله.

لقد خطّط إخوة يوسف كثيرًا، ليتخلّصوا من أخيهم يوسف، وجاؤوا أباهم عشاء يبكون، لكن غاب عن بالهم وذهنهم أن المدبّر سيُفشل مخططهم. فمن الذي أتى بالسيارة ليمرّوا من جانب تلك البئر؟ ومن الذي أحوجهم إلى الماء ليبحثوا عنه في تلك البئر؟ ومن الذي جعل امرأة العزيز عاقرًا حتى أنها اشترته وربّته في بيتها، فلا السيّارة جاءوا من عند أنفسهم، ولا واردهم أدلى دلوه لأنه شاء ذلك، ولا العزيز اشتراه لأنه أراد، وإنما لأن الله فعّال لما يريد، وقد دبّر كل ذلك، فهو سبحانه الذي أخرج القافلة إلى الصحراء، وهو الذي أحوجهم إلى الماء، وهو الذي أحوج عزيز مصر للأبناء ليتبنّاه ويتّخذه ولدًا، وهو الذي أحوج الملك لتفسير الرؤيا ليخرجه من السجن، وهو الذي أحوج مصر للطعام ليصبح عزيز مصر، وهو الذي منع المطر وأنزل الجوع على أهله وإخوته ليخرجوا إلى مصر ليلتقوا به وليكون هو منقذهم من الجوع، وهناك تتحقق رؤياه التي لأجلها كاد له إخوته فألقوه في البئر.

فلا تشتكِ للبشر، لأنه إذا سمع أحدهم شكواك فإنه يقول لك مواسيًا: “الله يعينك”. فاشتكِ إذن مباشرة إلى الذي يعينك وهو الله، ولا تسأل أحدًا فتقول: هل تعرفون رجلًا مستجاب الدعوة، وإنما اذهب مباشرة إلى الذي يجيب الدعوة، إنه الله سبحانه {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ} [62 سورة النمل]. وإذا ازدحمت عليك الأمور والأحوال فقل: “اللهم دبّر أمري فإني لا أحسن التدبير”.

جهلت عيون الناس ما في داخلي      فوجدت ربي بالفؤاد بصيرًا

يا أيها الحزن المسافر في دمي         دعني فقلبي لن يكون أسيرًا

ربي معي فمن الذي أخشى            إذًا    ما دام ربي يحسن التدبيرا

وهو الذي قد قال في القرآن            وكفى بربك هاديًا ونصيرًا

أستحي من الله أن أحزن

سُئل أحد العارفين عن سرّ بشاشة وجهه ودوام استبشاره فقال: “إني أستحي من الله أن أحزن وأمري بيد الله سبحانه”. وعلى هدي ذلك الرجل الصالح يجب أن يكون سلوكنا وعلاقتنا مع الله تعالى.

فكيف للمسلم أن يحبطه اليأس لصعوبة الحال وهو يعلم أن له ربًّا يقول: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [9 سورة مريم]؟

وكيف للمسلم أن يرهبه قدرة الأعداء ومقدّراتهم، وهو يعلم أن له ربًّا يقول: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [54 سورة الأعراف]؟

وكيف للمسلم أن يقلق ويجزع لمكر الأعداء وكيدهم، وهو يعلم أن له ربًّا يقول: {يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ} [5 سورة السجدة].

إنه الله سبحانه ليس فقط أنه يطمئنك فينزع عنك لباس الحزن والهمّ والخوف وهو يقول لك: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [9 سورة مريم]، {يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ} [5 سورة السجدة]، وإنما هو الذي يبدّل حزنك فرحًا، ويأسك أملًا، وعسرك يسرًا وهو يقول لك بل وهو يأمرك أمرًا {وَلَا تَهِنُوا} [104 سورة النساء]، {وَلَا تَحْزَنُوا} [139 سورة آل عمران]، {وَلَا تَيْأَسُوا} [87 سورة يوسف]، {وَلَا تَقْنَطُوا} [53 سورة الزمر]، {فَلَا تَبْتَئِسْ} [69 سورة يوسف]، {لَا تَخَفْ} [68 سورة طه]، {وَلَا تَحْزَنْ} [88 سورة الحجر]، وهو الذي يقول لك: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [186 سورة البقرة].

أمد يدي في غير يأس لعله      يجود على عاصٍ كمثلي يواصله

وأقرع أبواب السماوات راجيًا     عطاء كريم قطّ ما خاب سائله

فأراد ربك

وما أجمل وأروع ما قاله ابن القيم رحمه الله: “إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلّص عنك، فاعلم أنه لطف بك، لأن المنعم لم يقبضه بخلًا ولكن رفقًا بالساعي أن يتعثّر”. أي أن الله سبحانه قد يضيّق عليك من نعيم الدنيا ليس لأنه بخيل جلّ جلاله، ولكن لأنه يعلم أن النعيم قد يفسد عليك دينك، وأن المال قد يذهب عنك رجولتك. فما تظنه أنت شرًّا فإنما هو بعلم الله خير لك وأن الخير فيما اختاره لك، فلا تكثر سقطاتك وعثراتك بطغيان المال.

{فَأَرَادَ رَبُّكَ} [82 سورة الكهف] إنها الكلمات التي تسلّيك لما يريد الشيطان أن يوقع بينك وبين ربك سبحانه، وإنها آيات سورة الكهف التي تقرأها كل ليلة جمعة ويوم الجمعة حتى إذا نسيت فسرعان ما تعود تتذكر أن اختيار الله لك خير لك {فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [71 سورة الكهف]، {فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [73 سورة الكهف]، {فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [77 سورة الكهف].

فظاهر الأمر أن الفعل مستفز ومرفوض، وإلا فكيف له أن يخرق سفينة فيغرق من فيها؟! وكيف له أن يقتل غلامًا بريئًا من غير ذنب؟ وكيف ولماذا يصنع معروفًا مع من لا يستحقونه فأصلح لهم الجدار رغم أنهما طلبا منهم طعامًا ليسدّا جوعتهما فرفضوا؟! لكن حقيقة كل هذا عند العليم الخبير، الذي يدبّر الأمر، والذي يعلم وأنتم لا تعلمون.

{أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا ٱلْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [78–81 سورة الكهف].

قال ابن القيم رحمه الله: “لو كشف الله الغطاء لعبده وأظهر له كيف يدبّر الله له أموره، وكيف أن الله أكثر حرصًا على مصلحة العبد من العبد نفسه، وأنه أرحم به من أمه، لذاب قلب العبد محبة لله ولتقطّع قلبه شكرًا لله سبحانه”.

فما أجمل الرضا والتسليم وأن تقول: “اللهم اختر لي ولا تخيّرني”، وأن تردّ كل شيء إلى إرادة الله وتدبيره {فَأَرَادَ رَبُّكَ} [82 سورة الكهف]، قال ﷺ: “المؤمن القويّ خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان”.

هو عليّ هيّن

ما أحوجنا في هذا الزمان إلى الوقوف على باب الله تعالى وقد أُغلقت دوننا وفي وجوهنا الأبواب، وما أحوجنا لأن نعتصم بحبله وقد قطعت بنا كل الحبال، وما أحوجنا وقد خذلنا الإخوة والأشقاء لأن يظلّ رجاؤنا به سبحانه، وعند ذلك فإننا سنرى عجبًا في سير الأحداث ونتائجها.

وإلا فما الذي كان يملكه زكريا من أسباب الأرض سوى شيبة رأسه وامرأة عاقر، بهما دعا الله وبهما تشفّع له سبحانه وتعالى أن يرزقه ولدًا،

{كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [1–6 سورة مريم]،

وقد تحقق له ذلك وليقول له الله الذي لجأ إليه وجأر إليه واعتصم بحبله ووقف على بابه:

{إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [7 سورة مريم]،

وحينما كان السؤال والاستفسار من زكريا لربه:

{أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ} [8 سورة مريم]،

فكان الجواب من الله تعالى:

{هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [9 سورة مريم].

حتى وإن بدت السماء بعيدة

إن الذي فوق السماء قريب

ما ضرّنا بُعد السماء وإن علت

ما دمت يا رب السماء تجيب

وإذا كان زكريا لا يملك سوى شيبة رأسه ودعاء لسانه وامرأة عاقر، فإن يعقوب عليه السلام ما كان يملك سوى ذهاب بصره ودموع عينيه وكثرة رجائه بالله تعالى بأن يردّ عليه ابنه، فكان يقول:

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [18 سورة يوسف]،

قالها بعد فقدان يوسف وتآمر إخوته عليه، ثم قالها بعد أن تعرّف يوسف على أخيه فاحتجزه عنده، وكذلك قال يعقوب:

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [83 سورة يوسف].

لكن ثقة يعقوب بربّه ويقينه أنه سيدبّر له أمره، جعلته مطمئنًا إلى أن الله سيردّ عليه ولديه، لا بل إنه رغم عمى عينيه فلم ير بهما، لكن بصيرة قلبه جعلته يشمّ رائحة قميص يوسف دون أن يراه:

{إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [94 سورة يوسف]،

مذكّرًا إياهم بأنه كان على يقين بوعد ربه:

{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [96 سورة يوسف].

وماذا يملك أطفال غزة ونساؤها وشيوخها سوى دموعهم ودمائهم وجراحهم وجوعهم وبيوتهم المهدّمة وعوائلهم المشرّدة، بها يتشفّعون بين يديّ الله تعالى وهم يقولون له: أنت حسبنا ونعم الوكيل يا الله، ما لنا غيرك يا الله، انقطعت أسباب الأرض يا الله، وإنني على يقين أنه سبحانه لن يخزيهم وسيقول لهم: أبشروا.

وإننا على هدي زكريا ويعقوب وثقتهما بالله تعالى وحسن تدبيره، فإننا ورغم ما يقوله اليائسون والمحبطون من انتفاء أسباب الفرج، فإننا موقنون بتدبير الله تعالى لنا، وإننا قريبًا سنقول:

“إِنَّا لَنَجِدُ رِيحَ الْفَرَج”

كما قال يعقوب:

{إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} [94 سورة يوسف]،

وعندها سنقول للمحبطين واليائسين والساخرين من تفاؤلنا وحسن ظننا بتدبير الله لنا:

{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [96 سورة يوسف]،

وإن غدًا لناظره قريب.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى