مقالة الشيخ كمال خطيب: “إحياء الضمائر مقدمة لتحقيق البشائر”

الشيخ كمال خطيب
في أعماق نفس كل واحد منا توجد وتسكن قوّة خفيّة لا تشاهد بالعين، ولا ترى حتى بالمجهر، ولا يعرفها علم التشريح، ولم يصادفها الجرّاحون رغم ملايين بل مليارات العمليات الجراحية التي فتحوا فيها بطونًا وشقّوا صدورًا وعالجوا قلوب ملايين البشر.
إنها قوّة وحالة معنوية يحسّ بها الإنسان في حناياه وكأنها كشّاف ينير له الطريق، فتجذبه إلى الخير كأنها مغناطيس، وتدفعه عن الشرّ كأنها صرخة أبٍ ينادي بابنه ليبعده عن خطر داهم.
فإذا خالف الإنسان أوامر هذه القوّة الخفيّة، وارتكب واقترف ما كانت تحذّره منه، كانت هي نفسها المحكمة التي تحاكمه فتقضي وتحكم عليه، إما بالرّاحة والسرور والطمأنينة، وإما أنها تحكم عليه بالألم والقلق والتلويم الذاتي.
هذه القوّة الكاشفة، الهادية، الآمرة والناهية، المحذّرة، الحاكمة، المنقذة، هي التي اصطلح العلماء على تسميتها مرّة بالضمير ومرّة بالوجدان، قال النبي ﷺ: “البرّ ما سكنت إليه النفس واطمئن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المُفتون”. وقال: “استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك”.
هذا الضمير والوجدان هو الذي يجعلك تنظر إلى العمل والفعل قبل أن تفعله، فإن كان خيرًا شجّعك عليه وانشرح له صدرك، وإن كان سوءًا حذّرك منه وانقبض له قلبك. وهو كذلك أي الضمير والوجدان، هو الذي يحدّد وضعك بعد الفعل، فإن كان خيرًا وطاعة وعملًا صالحًا شعرت براحة وسرور وطمأنينة، وإن كان إثمًا أو معصية أو أذىً شعرت بألم وقلق وهمّ وضيق في الصدر.
هذا الضمير والوجدان هو عماد الأخلاق وركيزتها الأولى، وهو الذي يقف حارسًا شخصيًا لك بل وسلامة.
وإن المجتمع أيّ مجتمع، لا يكون مطمئنًا وآمنًا ومستقرًا فقط بسنّ القوانين والتشريعات، ولا بوجود أجهزة الأمن ورجال الشرطة وسلطة القانون يسهرون في كل ناحية، إن كلّ هذا وإن كان ضروريًا، إلا أنه لا يكفي، لأن الذي يسعد الناس ويجعلهم مطمئنين مرتاحين هو وجود القلوب الحيّة والضمائر المتيقّظة بين أبناء وأفراد المجتمع، ولذلك فقط قيل: “ليس العدل في نصوص القانون، ولكن العدل هو في ضمير القاضي”. وما أصدق ما قال الشاعر:
لن يصبح القانون فينا رادعًا حتى نكون ذوي ضمائر تردع
بالضمير والوجدان يثقل الميزان
وإن من أهم أسباب حياة ضمير الإنسان ويقظته إنما هو الإيمان، نعم إن الإيمان هو المولد الأكبر للطاقة الإيجابية، وهو الذي يمدّ الضمير والوجدان ليظلّ حيًا ومتحركًا ومتفاعلًا بعقيدة المسلم وإيمانه بالله جلّ جلاله أولًا ، ثم إيمانه بيوم القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار، يجعل ضميره دائمًا حيًا لأنه بهذا الإيمان:
فإنه يعتقد أن الله تعالى معه حيثما كان في السفر وفي الحضر، في الليل وفي النهار. وإنه سبحانه لا يخفى عليه خافية ولا يغيب عنه سرّ ولا علانية، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [7 سورة المجادلة]. {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [13 سورة الملك].
وأنه يعتقد أنه محاسب يوم القيامة على عمله وأنه مجزيّ به، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرّ. وأن كل عمل عمله فإنه قد كُتب بقلم التسجيل الإلهي الذي يحصي كل صغيرة وكبيرة، وما كُتب بالقلم الإلهي فإنه لا يُمحى ولا يزول {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ*مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [17-18 سوره ق]، { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ} [10-11 سورة الإنفطار]، {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [80 سورة الزخرف.
وأنه يعتقد أنه يوم القيامة سيجد ماثلًا بين يديه ما كان يحسبه هينًا وهو عند الله عظيم، ويتذكّر من الأعمال ما نسي، ولكن الله تعالى لا ينسى {فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [52 سورة طه]، {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [49 سورة الكهف]، {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [6 سورة المجادلة].
وإنه يعتقد أن هذه السجلّات الوافية والكاملة والدقيقة لن يضيّعها ولن يطمسها الإهمال أو يمحوها مرور الزمان، إنها ستحفظ عند الله حتى يتلقاها صاحبها يوم القيامة يوم الحساب والجزاء {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا*اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [14-15 سورة الإسراء].
وإنه يعتقد أن الأعمال يومها ستوزن بميزان الحقّ والعدل الإلهي، إنها الحسنات وإلا فإنها السيئات {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [47 سورة الأنبياء]، {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [8-9 سورة الأعراف].
ثم يعتقد أن بعد ذلك لا يكون سوى أن يقضي الله تعالى بالعدل والقسط بين عباده، فإما إلى جنة أو نار، إما شقيّ أو سعيد، وجوه ناظره أو باسرة، وجوه مستبشرة أو وجوه عليها غبرة، {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [160-107 سورة آل عمران]، {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [105 سورة هود]، {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [44 سورة الأعراف] {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [50 سورة الأعراف].
الحارس الأمين
بهذه العقيدة، بالإيمان بالله وبالآخرة وبالجزاء والحساب والعقاب، يستيقظ ضمير الإنسان ووجدانه، فيصبح يمسي مراقبًا لربه محاسبًا لنفسه، لا يظلم، ولا يخون، ولا يتطاول، ولا يتكبّر، ويؤدّي ما عليه من حقوق، ولا يدّعي حقًّا ليس له، ولا يفعل اليوم ما يخاف أن يحاسب أو يندم عليه غدًا، ولا يعمل في السرّ ما يستحي من عمله في العلن، يقول ما قال الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قلّ عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا ما تخفيه عنه يغيب
وكما قال الشاعر الآخر:
وإذا دعيت لريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحِ من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
سئل أحد الصالحين عن معنى قوله سبحانه: {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [8 سورة البينة]، قال: “إنه العبد إذا راقب ربّه عزّ وجلّ وحاسب نفسه وتزوّد لمعاده”. وقال الحسن البصري في قوله سبحانه: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [2 سورة القيامة]، قال: “لا يُلقى المؤمن إلا ويعاتب نفسه، ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ماذا أردت بشربتي. وأما الفاجر فإنه يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه”.
وقال إبراهيم التميمي: “مثلت نفسي في الجنّة آكل ثمرها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقّومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، ثم قلت لنفسي: أيّ شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أعود إلى الدنيا فأعمل صالحًا. قال: فأنت في الدنيا فاعملي”.
وهذا الأحنف بن قيس يذكّر نفسه بنار الآخرة وعذابها ليوقظ ضميره فيضع إصبعه على المصباح حتى يحسّ بالنار ثم يقول لنفسه: “يا أحنف ما حملك على أن صنعت كذا وكذا، إنك لا تطيق حرّ المصباح فكيف ستطيق حرّ جهنم”.
وهذا ابن الصمّة يعلمنا كيف يحاسب ضميره بما رواه عن نفسه لما قال: “نظرت وإذ أنا ابن ستين سنة، فاذا هي واحد وعشرون ألف يوم، فقلت لنفسي: ويحك يا ابن الصمّة لو أنك لم تذنب في اليوم إلا ذنبًا واحدًا يعني أنك ستلقى ربك ب واحد وعشرين ألف ذنب، فماذا ستقول لربك غدًا يا ابن الصمة، ويحك إذا لم يرحمك ربك”.
لمن التأثير، للقانون أم للضمير؟
إن الإيمان ينمّي ويوقظ ضمير الإنسان ووجدانه وقلبه. وإن الضمير الديني المتمثل بالخوف من الله تعالى ورقابته هو أساس الأخلاق والحياة الاجتماعية الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة ورسموها في خيالهم، وقد سماها أفلاطون “المدينة الفاضلة” وهي المدينة المثالية والخيالية. لكن المجتمع الإسلامي الذي ربّى أبناءه على قيم الدين الذي أنشأ فيهم الضمائر الحيّة، فليس أنه مجتمع معصوم كما في خيال أفلاطون، ولكنه المجتمع الأقرب أن يأمن فيه الناس على أنفسهم وأبنائهم وأموالهم وأعراضهم.
انظروا إلى الفارق بين القوانين البشرية التي تشرّعها الحكومات وتفرض فيها على الناس الضرائب، فإذا بهم يحتالون ويتهرّبون لعدم دفعها لصالح صندوق الدولة. بينما الزكاة الركن الرابع من أركان الإسلام وهو الذي شرّعه الله ربّ العالمين، فتجد المسلم يأتي مختارًا طائعًا راضيًا يقرّ بكل ما يملك ويحسب نسبة الزكاة التي هي حقّ الله في ماله، فيأتي بالمال إلى لجنة الزكاة أو الجهة المعنية. وإذا كانت زكاته هي مواشي فإنه يختار أفضل وأحسن ما فيها، فيقدّمها وهو يرجو الله أن يتقبّلها، وهو يدعو ويقول: “اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا” وما كلّ ذلك إلا ليقظة ضميره وشفافية روحه وصفائها في علاقتها مع الله تعالى.
انظروا إلى الدول كيف تشرّع القوانين التي تلزم الناس بها في كافة مناحي الحياة، مثل جودة الانتاج مثلًا وعدم الغشّ في المنتوجات الغذائية أو الطبية أو الصناعية وغيرها، ثم تضع القوانين الصارمة للمخالفين وتعيّن المفتّشين والمراقبين من قبل الجهات الحكومية، ومع ذلك تجد من يتهرّبون من هذا الاستحقاق ولا يخافون من القوانين ولا من الأحكام، لا لشيء إلا لجشع في نفوسهم ولو على حساب غشّ الآخرين والإضرار بهم.
أين هؤلاء من قصة بنت بائعة اللبن مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد كان يتفقّد أحوال الناس ليلًا ليسمع امرأة تقول لابنتها: قومي إلى ذلك اللبن فامزجيه بالماء. ورفضت الفتاة وذكّرت أمها بما سبق ونادى به عمر ونهى الناس أن يفعلوه.
وكرّرت الأم طلبها ثانية، ورفضت الفتاة وأصرّت على الرفض، ثم قالت الأم لابنتها: ولكننا في مكان لا يرانا فيه عمر. فقالت الفتاة: أماه إن كان عمر لا يرانا فإن ربّ عمر يرانا”.
انظروا إلى الفارق بين من يعتدون على حرمات الناس ويقعون في الأعراض، وأن منهم من يذهبون إلى بلاد بعيدة يمارسون هناك فعلتهم الدنيئة وهي الزنا، يظنون أن الله تعالى غائب هناك ولا يراهم، ثم يعودون إلى موطنهم وكأنهم كانوا في رحلة سياحية عادية، فيكونون مطمئنين أن أهاليهم لم يعرفوا بجريمتهم التي كان يتوجّب عليهم أن يتوبوا عنها، بل أن يقام عليهم الحدّ لو أنهم كانوا يعيشون في مجتمع يطبق شريعة الله تعالى. فلأن ضميرهم ميّت أو في سبات، فإنهم لا يجدون أثرًا للذعة الذنب تطاردهم.
انظروا إلى الفارق لمثل هؤلاء رجالًا أو نساء وبين قصة المرأة الغامدية التي وقعت في الزنا، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: يا رسول الله إني زنيت، وأريد أن تطهّرني، وأنه ردّها.. فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله لم تردّني؟ فلعلك تريد أن تردّني كما رددت ماعز بن مالك، فوالله إني لحبلى. قال: إما لا، فاذهبي حتى تلدي “طمعًا منه ﷺ أن تراجع نفسها وتتوب بينها وبين الله”. فلما ولدت أتت بالصبي في خرقة وقالت: ها قد ولدت يا رسول الله، قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتت بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت: ها يا نبيّ الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه بحجر فرمى رأسها فانتضح الدم على وجه خالد بن الوليد، فسمع النبيّ ﷺ سّبه إياها، فقال: مهلًا يا خالد بن الوليد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مُكس لغفر له. وصاحب المكس هو الذي يسيطر على أموال الناس بالباطل وبالعربدة (الخاوة). وفي رواية: “لو وزّعت على أهل المدينة لكفتهم، ثم أمر بها فصلّى عليها ودفنت”.
اشترِ من عند جاري
إنها يقظة الضمير وصحوة الوجدان إذن تجعل المسلم يحبّ لأخيه المسلم كما يحبّ لنفسه: “لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه”. إنه لا ينظر ولا يقيس ولا يزن الأشياء بمقياس الربح والخسارة الدنيوية، وإنما يزنها بميزان الآخرة، {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [185 سورة آل عمران].
يروي الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله كيف أن في كثير من البلاد الإسلامية كان التاجر إذا باع في الصباح ورأى جاره لم يبع فإذا أتاه مشتر قال له: هذا جاري وعنده ما عندي مما تريد شراءه، فأنا بعت وهو لم يبع، فاذهب واشتر حاجتك من عنده.
فما أحوجنا ونحن نرى حال المسلمين المظلومين المقهورين يتكالب عليهم حثالات الأرض ومنهم من يموت قتلًا، ومنهم من يموت جوعًا، ومنهم من يموت بردًا، ومنهم من يموت مرضًا، بينما مليارات المسلمين تصبّ في خزائن ترامب وأمريكا وحتى إسرائيل.
ما أحوجنا لإعادة صياغة هويتنا، فلا يكون انتماؤنا ضيقًا وطنيًا أو قوميًا، وإنما يكون انتماءً للأمّة الإسلامية من شرق الأرض إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [92 سورة الأنبياء]، وإن هذا لن يكون إلا بزوال حكم الجبابرة والطواغيت أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة والسموّ الذين نصّبوا أنفسهم بالحديد والنار وأذلّوا شعوبهم وقمعوها، وجعلوا بلادهم محميات للأجنبي بالقواعد العسكرية لأعداء الإسلام.
ما أحوجنا للعمل على إعادة بناء الأمة وعودة الخلافة الراشدة تحت رايتها وعزّها ومجدها ليعيش المسلمون عزّة الكرماء وقد زالت الحدود التي صنعها الاستعمار، وبداية ذلك تكون من إحياء الضمير ويقظة الوجدان وصياغة الإنسان على هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فإحياء الضمائر هي مقدمة لتحقيق البشائر.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.





