مقالة الشيخ كمال خطيب: “كونوا ربّانييّن ولا تكونوا رمضانييّن”

الشيخ كمال خطيب
إن من كرامات شهر رمضان المبارك، أن الله تبارك وتعالى قد جعل له مهابة في نفوس المسلمين، وأن الارتباط بين رمضان وبين المساجد وليلة القدر والروابط الاجتماعية التي تتميز فيه، تجعله شهرًا له بصماته على حياة المسلمين مطيعهم وعاصيهم.
ولعلّ من أبرز هذه البصمات، أن تجد حتى بين المقصّرين والمفرّطين في أداء ركن الصلاة فلا يؤدونها، بينما هم أنفسهم يؤدّون ركن الصيام ولا يفطرون ولا يفرّطون في صيام شهر رمضان.
لست هنا في معرض الخوض في الحكم الشرعي في ذلك، ولكن فقه الدعوة يلزمني مع مثل هذا الشخص أن أشجّع خطوته بأداء ركن الصيام، وتشجيعه على استكمال وأداء ركن الصلاة وتحبيب ذلك إليه، واستغلال هذه البذرة الإيمانية التي في داخله والعمل على إنمائها لا على إطفائها واجتثاثها مثلما هو أسلوب ومنطق البعض وسرعتهم في إطلاق الأحكام والأوصاف المنفّرة إذا ما قابلوا شخصًا لا يصلّي بينما هو يصوم ولا يفطر يومًا واحدًا.
وليس أن بصمة رمضان نجدها على المقصّرين كما تقدّم، بل إنها تكون وتُلمس على عتاولة العُصاة ممن هم غارقون في معاصيهم طوال العام، حتى إذا جاء رمضان فإنهم يقلعون عن المعاصي لقناعتهم أو لموروث تربية، أن شهر رمضان شهر لا يليق ولا تستقيم معه المعصية والإصرار عليها والمجاهرة بها.
فقد روي في كتب الأدب، أن أحد الشعراء العصاة وكان يعاقر الخمر ويدمن على شربها، لكنه إذا اقترب حلول شهر رمضان فإنه كان يقول لأصحابه وندمائه:
إذا العشرون من شعبان ولّت فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار فقد ضاق الزمان على الصغار
إنه كان إذا اقترب رمضان أوصى أصحابه باستمرار شرب الخمر ليلًا ونهارًا لتعويض أنه لن يشرب في رمضان، بل وينصح أصحابه بالشرب في الكؤوس الكبيرة لأنه ما عاد وقت للشرب في الكؤوس الصغيرة.
وإذا كان هذا العاصي ومُدمن الخمر يقلع عنها في رمضان وقال ما قال، فقد عارض هذين البيتين، أي قال بعكسهما العلامة أبو زرعة العراقي يحثّ على اغتنام شهر رمضان، فقال:
إذا العشرون من رمضان ولّت فواصل صوم يومك بالقيام
ولا تأخذ بحظّك من منام فقد ضاق الزمان على المنام
ومن بصمات رمضان الإقبال على الطاعات فيه والقربات، الصيام والصلاة وقراءة القرآن وفعل الخيرات والتردد على المساجد، حتى إذا انقضى رمضان عاد هؤلاء إلى ما كانوا عليه، فهجروا المساجد وأعادوا المصاحف إِلى رفوف المكتبات يعلوها الغبار حتى يأتي رمضان القادم.
لهؤلاء أقول أيها الأخ الحبيب، أيتها الأخت الغالية، إن الله الذي عظّمته وأطعته في رمضان هو سبحانه رب رمضان وشعبان وأيّار وتموز، فكيف لك أن تطيعه في رمضان وتعصيه سبحانه في شعبان وفي صَفر؟ فيا أخي ويا أختي، كن ربانيًا ولا تكن رمضانيًا، كونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين.
رمضان شهر التراويح لا شهر الترويح
إن من أعظم مظاهر العبادة في رمضان ازدحام المساجد بالمصلّين لأداء صلوات الجماعة عمومًا وصلاة القيام خصوصًا، هذه الصلاة التي تعرف باسم صلاة التراويح. ولأن شهر رمضان هو شهر العبادات والقربات، فقد كان الخلفاء والسلاطين والحكام المسلمون على اختلاف فترات حكمهم وعلى اختلاف التزامهم بالدين، إلا أنهم كانوا يسخّرون مقدرات الدولة لجعل رمضان موسمًا إيمانيًا بامتياز بما ترتقي به شعوبهم إيمانًا وفهمًا.
لكننا نعيش في الزمن الأغبر الذي تفتّقت فيه عقول الشرّ لتجعل رمضان شهر الترويح لا شهر التراويح. لقد أصبح حكام وحكومات هذا الزمان العرب والمسلمون، يسخّرون مقدّرات مالية هائلة توضع تحت تصرّف وزارات الإعلام والثقافة لإعداد البرامج والمشاريع والأفلام والمسلسلات والمهرجانات التي تجعل رمضان يتحول من جرعة روحية إلى جرعة سمّ قاتلة ليس للأجساد وإنما للروح والعقل والهوية لأبناء الأمة.
وإلا فماذا يعني أن يتم العمل على إعداد وتصوير عشرات الأفلام والمسلسلات في مصر والإمارات والسعودية وغيرها، وكل مسلسل يتكون من 30 حلقة تعرض عبر عشرات الفضائيات في كل ليلة من ليالي رمضان، ولا يكون توقيت عرض هذه الأفلام والمسلسلات إلا في توقيت صلاة التراويح.
اللافت أنه في رمضان الأخير، فإن صحفية إسرائيلية متخصصة بمتابعة ما يجري في الدول العربية تدعى “سمدار بيري” فقد نشرت مقالًا كتبت فيه وعبّرت عن استهجانها بل واندهاشها بإنتاج 37 مسلسلًا عرضوا على الشاشات العربية، وأن أيًّا منها لم يرد على ذكر لا مباشر ولا بالإشارة إلى ما كان يجري في غزة من مجزرة دموية.
وها نحن نشهد في هذه الأيام وكيف تتفاخر وزارة إعلام السيسي الانقلابي وهيئة الإذاعة والتلفزيون المصرية بالمسلسل الذي أعدّوه للعرض في رمضان وهو بعنوان: “رأس الأفعى” والذي تركّز مادته وحلقاته على إظهار بطولات مزعومة لأجهزة المخابرات والأمن المصرية ليس في تتبع عملاء إسرائيل وأمريكا في مصر، وإنما تتبع المجاهد الدكتور محمد عزت نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين والذي ألقي القبض عليه بعد انقلاب السيسي الدموي، وسجن المرشد العام للجماعة الدكتور محمد بديع، حيث تولّى أمر الجماعة الدكتور محمود عزت والذي نجح في الاختفاء عن الأنظار سنوات قليلة ثم ألقي القبض عليه وهو لم يخرج خارج القاهرة.
إن رجال أمن ومباحث ومخابرات وجنود السيسي الذين رأوا وسمعوا أنين ودموع أطفال غزة تسحقهم دبابات إسرائيل ولم يحرّكوا ساكنًا وهم على بعد خطوات منهم، ثم يتظاهرون برجولة مزعومة وبطولة موهومة على شيخ قد تجاوز الثمانين من عمره، وهو أستاذ طب وصاحب بصمات علمية تشرّف المصريين.
إن خسّة طواغيت مصر سابقًا ولاحقًا، أنهم سعوا جاهدين لحذف وطمس هوية حرب 1973 والتي اشتهرت بحرب العاشر من رمضان، وأصبحوا لا يعرّفونها إلا بحرب السادس من أكتوبر سعيًا منهم لسلخ الشعب المصري عن كل محطة أو اسم أو دلالة تربطه بهويته الدينية والحضارية، مع أن الإسرائيليين أنفسهم لا يعرّفون نفس تلك الحرب إلا بمصطلح ديني فيطلقون عليها “حرب يوم الغفران” نسبة إلى يوم العيد اليهودي الذي وقعت فيه تلك الحرب.
لقد حوّلوا ليالي رمضان من ليالي صلاة التراويح إلى ليالي الغناء والطرب والمجون والحفلات الصاخبة. إنها ليالي الترويح والفرفشة واللهو وفق مصطلحاتهم الخبيثة. وما أصدق ما قاله الشاعر في بيان ما كان عليه رمضان وما أصبح عليه رمضان في ظل أنظمة الظلم والطغيان والعمالة:
لا الصوم صوم ولا الإيمان إيمان أتت على الصوم والإيمان أزمان
المسلمون ولا تغررك جمهرة ما للحجارة لولا الجمع بنيان
ضلّوا السبيل فلا الأخلاق مشرقة ولا الديانة إسلام وإيمان
قالوا التمدن والإسلام ما اتفقا إنا لعصر وللإسلام أزمان
الله للدين كم ظلمًا أهين وكم ظنّوه نقصًا وفي التفكير نقصان
سل صفحة الأمس عمّن أيّدوه أما كانت لهم في نواحي الأرض تيجان
دين الحضارة والأخلاق أسعدهم فمذ أهانوه قد ذلّوا وقد هانوا
عدلًا من الله تأييدًا لسنته حظّ المقصّر إقصاء وحرمان
يا قوم لوذوا بحبل الله واعتصموا
إن الدواء لداء العرب قرآن
رمضان بين النفحات واللفحات
كان شهر رمضان المبارك على مدار التاريخ ينفث في أبناء الأمة نفحات إيمان ونفحات عزّة. إنه رمضان الذي كان يحدث انعطافة في سلوك الأفراد من المسلمين وهو الذي نراه عبر العزيمة في المداومة على صلاة الجماعة وصلاة القيام، وعبر تحمّل الجوع والعطش، وعبر مجاهدة النفس تصل إلى حد أن الصائم يحتمل الأذى والسبّ فلا يردّ، ويقول إني صائم امتثالًا لهدي الحبيب محمد ﷺ: “فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم”.
وإن من نفحات رمضان زيادة الرغبة في فعل الخيرات بالصدقات والإحسان إلى المحتاجين والأيتام.
وليس أنها نفحات الإيمان فقط، وإنما هي نفحات العزة التي يحدثها رمضان في نفوس أبناء الأمة من الشموخ والكبرياء وعدم الخوف من الظالمين بل ومقارعتهم ومنازلتهم لتكون كلمتهم هي السفلى وتكون كلمة الله هي العليا، ولذلك فلا عجب أن يكون شهر رمضان الشهر الذي شهد أعظم معارك العزّ والشرف، ففي رمضان كانت معركة بدر ومعركة فتح مكة ومعركة عمورية ومعركة عين جالوت وفتح الأندلس وفتح قبرص وفتح بلغراد وغيرها.
فإذا كان رمضان هو مصدر النفحات، فإننا نعيش أيام رمضان هذه، لتهبّ علينا في رمضان لفحات تحمل الوجع والألم مما يزال يقع على أهلنا في غزة التي يعيش أهلها رمضان الثالث على التوالي وهم يتقلّبون بين الجوع والبرد والمرض والقهر، وقبل ذلك فإنه القتل والتشريد واستمرار الاحتلال الإسرائيلي في هذه الأيام بل هذه الساعات.
وها هي لفحات أشدّ وأقسى تهبّ علينا في رمضان مما يقوم به ذلك العاهر الأصفر دونالد ترامب من استعدادات لحرب دموية على إيران وما سيعقب ذلك من تداعيات ستطال بلاد العرب والمسلمين. إنه ترامب الذي يلفح بمواقفه وعنجهيته وجوه ليس فقط الإيرانيين، بل كل العرب والمسلمين وهو يستعرض عضلاته وقوته، يريد أن يؤدب من يقول لا لسياسته وبلطجيته.
إنه الفارق الكبير إذن بين ما كنا عليه في رمضان من نفحات العزّ وبين ما نحن عليه في رمضان من لفحات القهر ومحاولة الإذلال والاستعباد، وقد قال في ذلك الشاعر:
ها قد أتى شهر الصيام الأكرم بدر يطلّ بوجهه المتوسّم
كم جئت يا شهر الهداية سابقًا والنصر يحمل عزّة للمسلم
كم جئت يا شهر السماحة حاملًا بشرى تنير الدرب للمتلعثم
فالفتح يشهد للرسول محمد ولصحبه ذاك الشموخ الأعظم
وبعين جالوت تجمع شملهم بالقرب من بيسان أرض الأنجم
واليوم جئت وقد تشتّت شملهم حتى تبدّل نهجهم بمجرم
ما لي أرى وجه العروبة شاحبًا والكل يحيا تحت وطأة ظالم
مالي أرى صفّ العروبة غارقًا في بحر ذلّ ماؤه من علقم
مالي أراهم يسجدون لكافر ويح العروبة من عذاب ظالم
هل من رجوع للكتاب وصحوة ونقول للأحفاد هل من متقدم
إنه رمضان ستظلّ نفحاته تملأ قلوبنا يقينًا واستبشارًا، وستظلّ نفحاته سياطًا نلهب بها وجوه كل المتطاولين. سيظلّ رمضان نورًا يضيء لنا الطريق، وسيظلّ رمضان نارًا تحرق الطغاة والمتآمرين، وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا .
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

