محطات فكرية

قانون المجموعة: حين يبحث “المراهق” عن مكان قبل أن يبحث عن قناعة

في مرحلة سن البلوغ “المراهقة” ، لا يكون السؤال الأهم الذي يدور في ذهن الشاب او الفتاة ما الصواب،
بل: الى من أنتمي؟

هنا يظهر ما يمكن تسميته نفسيًا بـ قانون المجموعة:
ذلك القانون غير المكتوب الذي يجعل الشاب يتبنى لغة الجماعة وسلوكها، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها تمنحه شعورًا إنسانيًا عميقًا: أن يكون مقبولًا.

اليافع لا يولد متمردًا،
ولا ينجرف لأنه يجهل الخير،
بل لأنه يخشى أن يبقى وحيدًا في عالم قاسٍ على المختلفين.
وفي هذا المعنى يلفت هدي القرآن النظر إلى قوة التأثير الجماعي حين يغيب الميزان الداخلي:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
(الأنعام: 116)

من الناحية النفسية، تكون الهوية في طور التشكل، وتقدير الذات هشًا، والخوف من النبذ الاجتماعي أقسى من الخوف من الخطأ نفسه.
في مثل هذا المناخ، يصبح الانتماء أثمن من القناعة، ويغدو الصمت عن الخطأ أهون من فقدان الجماعة.

أما تربويًا، فنحن كثيرًا ما نُخطئ السؤال.
نسأل الشاب: لماذا فعلت؟
ولا نسأله: مع من كنت؟ وماذا كنت تجد بينهم؟

فالإنسان، بطبيعته، ابن بيئته القريبة، وقد عبّر هدي القرآن عن هذا المعنى حين صوّر حسرة من انساق مع جماعته دون بصيرة:

﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾
(الفرقان: 28)

حين لا يجد الشاب مجموعة تُشعره بالقيمة، سيبحث عنها حيثما كانت، حتى لو كلّفته مبادئه.
فالفراغ التربوي لا يبقى فراغًا، بل يُملأ غالبًا بما هو أعلى صوتًا لا أعمق معنى.

وفي البعد الديني، لا يُلغى أثر الجماعة، بل يُضبط.
فالدين لا يدعو إلى العزلة، ولا يبرر الذوبان، وإنما يوجّه إلى الصحبة الواعية:

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
(التوبة: 119)

أي أن الجماعة في ذاتها ليست ضمانة،
وإنما قيمها، واتجاهها، وما تصنعه بالإنسان.

من هنا، لا تكون مهمتنا كآباء ومربين ومعنيين بالشباب أن نكسر قانون المجموعة،
بل أن نُعيد توجيهه.
أن نصنع مجموعات يشعر فيها الشاب بالأمان قبل التقويم، وبالاحتواء قبل المحاسبة.

المجموعة الآمنة لا تُبنى بالخطب والنظريات، بل بالمناخ.
مناخ يفرّق بين الشخص وسلوكه،
ويفهم أن الخطأ لا يُسقط الكرامة،
وأن الإصلاح لا يحتاج إلى فضيحة.

في هذه المجموعة، لا يكون القائد واعظًا متعاليًا، بل إنسانًا قريبًا.
يضع حدودًا دون قسوة، ويُجسّد القيم قبل أن يشرحها.
فالقدوة الصامتة أبلغ من ألف توجيه.

وحتى الخطاب الديني، حين يدخل هذه المساحة، لا يدخل كسوط ولا كحكم جاهز،
بل كملجأ يرمم الداخل.
دين يُقدَّم بوصفه رحمة ومعنى، كما أراده الله:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: 107)

وحين يخطئ أحد أفراد المجموعة، لا يُقصى ولا يُسحق.
فالإقصاء كثيرًا ما يدفع الشاب إلى جماعة أشد قسوة،
بينما الاحتواء الواعي يفتح باب العودة والنضج.

وفي النهاية، لا بد من قول الحقيقة كما هي:
الشباب لن يعيشوا بلا جماعة.
إما جماعة تُقوّي ضمائرهم،
أو جماعة تستثمر هشاشتهم.

وقانون المجموعة، في جوهره، ليس لعنة،
بل أمانة.
فإن لم نُحسن توجيهه،
وجّه أبناءنا إلى حيث لا نريد… ونحن نظن أننا نحسن صنعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى