مقالة الشيخ كمال خطيب: “في ذكرى الإسراء والمعراج: وبشّر المؤمنين”

الشيخ كمال خطيب
أي تزامن مبارك هذا التزامن، وأيّة مقادير ربانية، وأيّة رسائل معنوية حين تجتمع وتلتقي في نفس اليوم مناسبتان واثنتان من الذكريات.
ها قد اجتمع والتقى علينا هذا اليوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، اليوم الذي ينادينا فيه ربنا جلّ جلاله لنكون ضيوفه وعُمّار بيوته ومساجده {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [9 سورة الجمعة]. التقى يوم الجمعة المبارك مع ذكرى معجزة ومكرمة الإسراء والمعراج، ليلة أسرى الله بنبيّه ﷺ من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [1 سورة الإسراء].
معجزة الإسراء والمعراج، ليلة تواصلت الأرض بالسماء في أقصر رحلة زمانًا وأبعدها مكانًا، وكيف لا وهي الرحلة التي امتدّت من مكة إلى القدس ومنها إلى السماوات العلا قريبًا من سدرة المنتهى قريبًا من عرش مالك الملك، هذا مكانًا، أما زمانًا فقد حصل كل هذا ورجع رسول الله ﷺ وكان فراشه الذي قام منه ما يزال دافئًا بعد إذ رجع إليه:
مشيئة الخالق الباري وقدرته وقدرة الله فوق الشكّ والتُهم
حتى بلغت سماءً لا يُصار لها على جناح ولا يُسعى على قدم
وقيل كل نبيّ عند رتبته ويا محمد هذا العرش فاستلم
القهر في الأرض والمواساة في السماء
كان توقيت رحلة الإسراء والمعراج، هذه المعجزة والكرامة الربّانية بعد أحداث جسام، وبعد أحزان ودموع وآلام نزلت على رسول الله ﷺ بعد موت زوجته الوفيّة خديجة رضي الله عنها، وبعد موت عمّه أبي طالب السند والظهير، وبعد رحلة الطائف وآلامها النفسية والجسدية التي أصابته ونالت منه ﷺ وقد جأر إلى ربه سبحانه بالدعاء المشهور: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس…”.
وها هي ذكرى الإسراء والمعراج تهلّ علينا وأحداث جسام وأحزان وآلام تصيب الأمة، أحداث كلّما قيل انقضت تمادت واتّسعت. وكيف لا، وها هو جرح غزة خصوصًا وفلسطين عمومًا ما يزال ينزف، وها هو جرح السودان وجرح اليمن وجرح لبنان وما يزال جرح سوريا ينزف، وما يجري في مصر وتونس وليبيا وغيرها مما يُبكي ويوجع قلب كل مسلم غيور محب لشعبه وأمته ودينه. وإذا كان رسول ﷺ قد جأر إلى الله تعالى بعد جرح الطائف قائلًا: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس…” فها هم أهل غزة والسودان وعموم المسلمين يقولون: “يا الله ما لنا غيرك يا الله”. إنهم لا يعانون فقط من قهر الأعداء، وإنما يعانون من ظلم وخذلان الأشقاء.
وها هي ذكرى الإسراء والمعراج تهلّ علينا بينما المسجد الأقصى محطته الأولى في رحلته ﷺ يتعرّض للكيد والاعتداء، وليس فقط بالاقتحام والتدنيس، وإنما بإقامة الصلوات والشعائر التوراتية والتلمودية في ساحاته الطاهرة، بينما وصل الأمر ببجاحة المحتل الإسرائيلي وزعانفه من الجماعات الدينية اليهودية إلى حدّ نشر مقاطع عبر الذكاء الاصطناعي تظهر عملية تفجير وهدم للمسجد الأقصى المبارك وإقامة وتشييد هيكل مزعوم على أنقاضه.
إنه المسجد الأقصى المبارك المحطة الأولى في رحلة الإسراء والمعراج والواقع في القدس الشريف من أرض فلسطين حيث بلاد الشام، وكيف لا يكون هذا الاختيار لخطّ سير الرحلة المباركة ربّانيًا وقد قال ﷺ: “صفوة الله من أرضه الشام، فيها صفوته من خلقه وعباده”. وهو القائل صلوات ربّي وسلامه عليه: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورة على الناس لا يضرّهم من خذلهم حتى تأتي الساعة”. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: “لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحقّ لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. قالوا: أين هم يا رسول الله؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.
الأقصى لنا وحدنا
وإن في نزوله ﷺ في المسجد الأقصى بمحطته الأولى بإذن ربه أعظم الدلالات في تأكيد هوية ليس المسجد فقط وإنما كل فلسطين، فهو المسجد الأقصى المبارك الذي بني في هذه الأرض بإذن الله تعالى بعد المسجد الحرام في مكة بأربعين سنة، وقد قال ﷺ لما سأله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: “يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة”.
ثم أن في ربط جبريل عليه السلام للبراق في حلقة في الحائط الغربي للمسجد الأقصى دلالة قطعية واضحة أن حائط البراق الحائط الغربي، هو جزء من المسجد الأقصى المبارك، وليس هو حائط مبكى ولا مسّرات أحد، كان ولا يزال وسيظلّ كذلك بإذن الله تعالى.
ثم إن في إمامته ﷺ بالأنبياء جميعًا ليلة الإسراء في المسجد الأقصى دلالة وتأكيدًا أن موكب الأنبياء قد سلّموا الراية لأخيهم وخاتمهم محمد ﷺ، ففي الحديث أن جبريل عليه السلام قال: “يا محمد، أتدري من صلّى خلفك. قال: لا يا جبريل. قال: صلّى خلفك كل نبي بعثه الله”.
أسرى بك الله ليلًا إذ ملائكهُ والرسل في المسجد الأقصى على قدم
لما خطرت بهم التفوا بسيّدهم كالشهب في البدر أو كالجند بالعلم
وفي هذا تأكيد على أن المسجد الأقصى المبارك حقّ خالص للمسلمين وحدهم بكل حيطانه وجدرانه وساحاته، ما فوق الأرض وما تحت الأرض وليس لغير المسلمين حقّ في ذرّة تراب واحدة فيه. نرفض نحن المسلمين، بل نلقي في مزابل التاريخ ما تسمّى اتفاقات أبراهام المشبوهة التي تزعم أن من حقّ غير المسلمين الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، ونقول لهم ما قال الله تعالى عن خليله إبراهيم الذي باسمه يريدون تزوير التاريخ بل تزوير هوية إبراهيم عليه السلام {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [78 سورة الحج]، {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [67 سورة آل عمران].
الفتح العمري والفتح الصلاحي
لقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج وقد كانت الصلاة في المسجد الأقصى لتضع ختمة وبصمة التوحيد على المسجد الأقصى المبارك تأكيدًا لما كانت عليه هويته من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الأرض وما عليها.
ثم جاء الفتح العمري للقدس والمسجد الأقصى لإضافة بصمة جديدة على هوية المسجد الأقصى المبارك، يوم استلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح القدس من البطريرك صفرونيوس ويوم بكى صفرونيوس، وقد قال له سيدنا عمر: ما يبكيك؟ فقال: ما على زوال ملكي بكيت، وإنما أبكي لأني أعلم أن ملككم عليها سيظلّ أبد الدهر يرق ولا ينقطع. وما يزال الحضور الإسلامي في القدس وعليها مستمرًا ومتواصلًا ولم ينقطع إلا في فترتين كان فيها رقيقًا وضعيفًا، الفترة الأولى يوم وقعت القدس تحت الاحتلال الصليبي بين الأعوام 1099- 1187 يوم حررها صلاح الدين الأيوبي، وأما الفترة الثانية فإنها بدأت منذ الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967 وما تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
ثم جاء الفتح الصلاحي للقدس والمسجد الأقصى ليضع بصمة ثالثة على هوية القدس والمسجد الأقصى المبارك. إنه صلاح الدين الذي كان قد استلم الراية بعد نور الدين زنكي رحمه الله، وورث عنه نور الدين المنبر الذي كان قد أمر بصناعته ليكون هديته للمسجد الأقصى المبارك يوم تحريره من الصليبيين، وهذا ما كان وشاء الله تعالى أن يكون يوم تحرير القدس والأقصى من الصليبيين ليلة الجمعة هي ليلة الإسراء والمعراج، ليلة السابع والعشرين من رجب تمامًا كيومنا هذا وليلتنا.
وقد أمضى صلاح الدين رحمه الله وجنوده أسبوعًا كاملًا في تنظيف المسجد الأقصى المبارك وتطهيره من أدران ورجس الصليبيين، ومن إهمال طاله تسعين سنة. وكان لافتًا أن صلاح الدين كان بيديه يطيّب المسجد القبلي ومسجد قبة الصخرة بعطر الورد كانت أرسلته إليه نساء ديار بكر الكرديات وقد أوصينه أن يطيّب بهذا الطيب المسجد الأقصى بعد تطهيره من الاحتلال الصليبي.
وقد ذكر المؤرخ ابن واصل في كتابه “مفرّج الكروب” أن الكثير من الخطباء والعلماء كانوا قد أعدّوا خطبًا سهروا عليها الليالي لتكون هي خطبة الجمعة الأولى بعد الفتح، وكان كل واحد منهم يتمنى أن يكون هو من يحظى بتكليف صلاح الدين له ليكون خطيب الجمعة الأولى في المسجد الأقصى بعد تحريره. لكن صلاح الدين قد كلّف واختار الخطيب ابن الزكي الدمشقي الشافعي لهذا الشرف، وكيف لا وابن الزكي هو من سبق وقال قبل أربع سنوات يوم فتح صلاح الدين مدينة حلب:
وفتحكم حلبًا بالسيف في صفر مبشر بافتتاح القدس في رجب
فلما أن الله أنطق لسانه بما قال وبشّر به قبل أربع سنوات، وقد تحقق ذلك في رجب وفي ليلة السابع والعشرين منه ليلة الإسراء والمعراج، كان التكليف وكان الشرف الذي ناله وقد تمناه كثيرون غيره.
الإعداد المادي والإعداد المعنوي
ودارت الأيام ووقعت القدس والأقصى في الدورة الثانية من دورات حزنها وألمها وضعف السيادة الإسلامية عليها رغم الحضور الإسلامي فيها التي تحدّث عنها صفرونيوس يوم فتحها سيدنا عمر رضي الله عنه، وها هي تعاني من جور وقهر وظلم الاحتلال الإسرائيلي، وها هو المسجد الأقصى يستباح ويدنّس من قبل مستوطنين حاقدين موتورين لا يتردّدون بنشر مقاطع أعدّوها بما يسمى الذكاء الاصطناعي، فيها سيناريو لمشهد تفجير وهدم قبة الصخرة الشريفة وبناء هيكل مزعوم على أنقاضها.
ويا قلب أسعِر نار وجدك كلما خبت بادكار يبعث الحسرات
على المسجد الأقصى الذي جلّ قدره على موطن الإخبات والصلوات
لتبك على القدس البلاد بأسرها وتعلن بالأحزان والترحات
لتبك عليها مكة فهي أختها وتشكو الذي لاقت إلى عرفات
لتبك على ما حلّ بالقدس طيبة وتشرحه في أكرم الحجرات
وإذا كان رسول الله ﷺ وبعد الذي لاقاه في رحلة الطائف فإنه كان قد استجار بربّه سبحانه ورفع يديه إليه يدعوه: “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني أم إلى عدوّ ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي…”، فكان الفرج وكانت بعد هذه الزفرات كرامة الإسراء والمعراج ورحلة السماء لتكون دفئًا وحنانًا ومددًا من الله تعالى لرسوله ﷺ.
وبعد أن وقعت القدس والأقصى تحت الاحتلال الصليبي، وخلال استعدادات وتجهيز صلاح الدين لاستعادتها وتخليصها من الاحتلال الصليبي، فزيادة على الإعداد المادي كان الإعداد المعنوي وكانت التعبئة الروحية، حيث كان صلاح الدين يُسمع وهو يدعو الله تعالى ويقول: “إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل”. فكان بعد هذه الزفرات الفرج والتمكين من الله تعالى.
إنني أبشّر أننا بين يديّ متغيّرات مباركة، ورغم أنها ستكون ممهورة بالدم والدموع، إلا أن عاقبتها ستكون خيرًا بإذن الله تعالى على الأمة كلّها وخاصة على غزة وعلى المسجد الأقصى المبارك، فتكفكف دمعته وتعود إليه بسمته ويقدّم له من جديد منبره هدية له في يوم خلاصه وفرجه، وإن غدًا لناظره قريب، وبشّر المؤمنين.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.





