مقالة الشيخ كمال خطيب: “دعوة للثبات: لا والله لا نقول إلا ما قال الله لا نقيل ولا نحيد”

الشيخ كمال خطيب
إنها نصوص القرآن الكريم، والسُنّة النبوية الشريفة زاخرة بالآيات والأحاديث، تبين لنا كيف أن طريق الإيمان والحقّ طريق طويل وصعب، وأنّه مليء بالابتلاءات والأشواك والآلام والمعاناة. وهي كذلك آيات القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة ترينا وتحدّثنا عن الصراع المستمر، والجولات المتعاقبة بين الخير والشرّ، بين الحقّ والباطل، بين الهدى والضلال، بين الإيمان وبين الكفر.
قال الله سبحانه: {أَلَمْ*أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت: 1-3]، وقال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [سورة محمد: 31]، وقال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة:214 ].
إنها الآيات الشريفة ترينا أنه ما من نبيّ ولا رسول ولا داعية للخير ولا رافعا لراية الحقّ إلا أوذي ولحقه الأذى والقهر من أعداء الحقّ والفضيلة. ولقد قال الله تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال: 30]. وقال له مخبرًا عمّن سبقوه من إخوانه الرسل الكرام وما لحقهم من الأذى {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [سورة هود: 120]، {فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [سورة آل عمران: 184].
وإنه، ومن اليوم الذين نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله ﷺ وقد ذهبت زوجته خديجه رضي الله عنها الى ابن عمها ورقة بن نوفل وحدّثته بما جرى مع رسول الله ﷺ، وكان ورقة أحد أربعة في قريش لم يعبدوا الأصنام، واعتقدوا أن قريشًا قد انحرفت عن دين إبراهيم عليه السلام، فقال لها ورقة: “إن كنت صَدَقتِني يا خديجة فلقد جاءه الناموس الأكبر -الوحي- الذي كان يأتي لموسى، وإنه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له ليثبُت”.
ثم إن رسول الله ﷺ قد خرج بعدها يطوف بالبيت الحرام فلقيَهُ ورقة بن نوفل، فقال له: يا ابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره رسول الله ﷺ، فقال ورقة: “والذي نفس ورقة بيده إنك لنبيّ هذه الأمّة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، وإن قومك سيكذّبونك ويؤذونك ويخرجونك ويقاتلونك، ولئن أدركتُ ذلك اليوم لأنصرّن الله نصرًا يعلمُه. ثم دنا من رسول الله ﷺ وقبّل رأسه، فقال له النبي ﷺ: أومخرجيّ؟ فقال: ما جاء أحد بالذي جئت به إلا أخرجه قومه”.
لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري
وإننا، وفي أيامنا هذه وزماننا الذي نعيش، فإنه وبجهل أو سوء فهم أو بنيّة سوء متعمدة، فإننا نسمع من يُنظِّرون ويروّجون أن هذا الابتلاء والظلم الواقع على شعبنا وأمتنا وديننا فإنه بالإمكان دفعه ومنعه بالدبلوماسية والمراوغة والعقلانية والواقعية، وأن من يقعُ عليهم هذا الظلم وهذا الابتلاء فإنه وقع بسبب سوء تدبير منهم وسوء قراءة للواقع، ولأنهم متحمّسون وغير متزنين، ولذلك فإنهم يدفعون ثمن حماستهم وتهوّرهم!
صحيح أن المسلم مطالَب بالأخذ بالأسباب والحرص والحذر، وألّا يلقى بنفسه إلى التهلكة، وألا يتمنى لقاء العدوّ. لكنه كذلك، وفي نفس الوقت، فإن المسلم مطالب بالثبات على عقيدته، والدفاع عن دينه ووطنه، وعدم المساومة على ثوابته الدينية والوطنية، وألّا يجامل أهل الباطل ولا يهابهم ولا يهادنهم، وأن يقول كلمة الحقّ في وجوههم وألّا يخشى في الله لومة لائم.
إنه المسلم يسير على خطَى ويهتدي بهدي من سبقوه في قافلة الإيمان والتوحيد وحملة الرسالات. فها هم سحرة فرعون، بعد أن جاء بهم فرعون للانتصار لباطله، قد رأوْا بعين الإيمان زيفَ فرعون ودجله يتكشّف ويتعرّى أمام صدق موسى وما جاء به من ربّه، فآمن السحرة بالله وحده، فما كان من فرعون إلا أن هدّدهم {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة الأعراف: 124]، فما كان جواب السحرة حديثي الإيمان إلا خطاب الثبات والتحدّي والصبر على البلاء: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [سورة طه: 72].
ومثل سحرة فرعون في الثبات فإنه نبيّ الله شعيب الذي جاء لقومه ناصحًا لهم بالإيمان بالله وتغيير سلوكهم الاجتماعي المنحرف ،حيث كانوا يطفّفون في الكيل والميزان {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [سورة الأعراف: 85]، فما كان منهم ليس فقط رفض الاستجابة لتغيير هذا السلوك، وإنما هدّدوه بطرده من وطنه وإخراجه منه إذا لم يصمت ويكفّ عن نصائحه لهم، فلم يخف منهم ولم يجاملهم، وإنما تحدّاهم بصلابة وثبات وشجاعة: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [سورة الأعراف: 88].
وإنها قصة سيّد الصابرين والثابتين على الحقّ سيدنا محمد ﷺ، وقد عرض عليه كبراء قريش ما ظنّوا أن به سيصرفونه عن دينه الذي جاء به، فأرسلوا إلى عمّه أبي طالب من يقول له: “قل لابن أخيك: إن أراد المال جعلناه أغنانا، وإن أراد المُلك جعلناه ملكًا علينا، وإن أراد الزواج زوجناه بأجمل بنات العرب، وإن أراد الطبّ طبّبناه”.. فكان الجواب الواضح والصريح وغير المتلعثم من رسول الله ﷺ: “يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته”. وأمام صلابة العقيدة وثبات الموقف كان خيارهم الآخر بقتله ﷺ، {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} [سورة الأنفال: 30].
ومثل ثبات رسول الله ﷺ فقد كان ثبات وصلابة ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان على رأس المهاجرين إلى الحبشة في حماية ملكها النجاشي. فأرسلت قريش عمرو بن العاص داهيتها ومفاوضها المحنّك ليستردّهم، وكان من دهاء عمرو بن العاص أن قال للنجاشي: اسألهم عمّا يقولون في عيسى ابن مريم. حتى يكون جعفر بين خيارين كلاهما مرّ وصعب. فإن قال إنه ليس ابن الله غضب النجاشي وطردهم، وإن قال إنه ابن الله إرضاء للنجاشي فقد خالف عقيدته. فكان جواب جعفر القويّ الصلب الواثق: “والله لا أقول إلا ما قال الله في عيسى وأمّه”، وتلا أوائل سورة “مريم”. فما كان من النجاشي إلا البكاء والنحيب، وأن ما تلاه جعفر من آيات القرآن هو ما كان يؤمن به النجاشي، وقال: “إن هذا هو والذي جاء به عيسى ابن مريم ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقوا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد”.
فهل كان ثبات سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى، وهل كان ثبات شعيب في مواجهة قومه، وهل كان ثبات رسول الله ﷺ وثبات جعفر؛ هل كان كل هؤلاء متحمّسين متهوّرين ولا يُزِنون الأمور جيدًا، وليس عندهم موازنات الواقعية، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وأنهم يفتقرون إلى المرونة وغير ذلك من مصطلحات جعلت أصحابها ومن يروّج لها في هذا الزمان مسوخًا تشوّه الدين وتَحرِف بوصلته؟!
أساتذة في مدرسة الثبات
إن قصة الثبات على العقيدة والمبدأ ليست قصة عابرة، وإنما هي مدرسة كان أساتذتها الأنبياء الذين قصّ الله قَصصهم على رسوله محمد ﷺ: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [سورة هود: 120]، إنّها المدرسة التي كانت دائمًا تُبدع في تخريج من يسيرون على نفس المنهج والطريق، فكانوا نماذج وقدوات، بل كانوًا جبالًا في الصبر والثبات وعدم المساومة على المنهج والمبدأ.
ولعلّ قصة الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن، زمن الخليفة المعتصم، وثبات الإمام أحمد وعدم قبوله لمقولة أن القرآن مخلوق كما قال أكثر علماء زمانه، فكان جزاؤه السجن والجلد، دون أن يبالي بمقولة إن أكثر الناس وأكثر العلماء يخالفونه. فمنذ متى كانت الأكثرية هي الحقّ في قضايا العقيدة والمبادئ؟! لكن ثبات الإمام أحمد وصلابته كانت سببًا في حِفظ عقيدة المسلمين في مواجهة الفلسفة اليونانية التي أثّرت على عقيدة كثيرين من الناس يومها، فحفظ الله للأمة دينها بالإمام أحمد يوم الفتنة، كما حفظ لها دينها بأبي بكر يوم الردّة.
ومثل الإمام أحمد فإنه شيخ الإسلام ابن تيمية وثباتُه على عقيدته أمام سيل الوشاية والمتزلّفين من علماء السلاطين، فكان أن سُجن سبع مرات كانت آخرها تلك التي توفّي فيها في سجن القلعة في دمشق، وهو صاحب مقولة: “إنّ سجني خلوة مع الله، وإن قتلي شهادة في سبيل الله، وإن نفيي سياحة في أرض الله”، عبارة قالها لمن هدّدوه بالسجن والقتل والنفي، ليظل ابن تيمية لا يُعرف على مدار الأجيال والتاريخ إلا بشيخ الإسلام، تقديرًا لعلمه ومواقفه وثباته.
ومثل الإمام أحمد وابن تيمية فإنه الشهيد سيّد قطب، وقد سُجن وعذّب في عهد جمال عبد الناصر والمدّ القومي العروبي المنسلخ عن دين الأمّة، فرفض رحمه الله أن يساوم على عقيدته ودعوته، ورفض أن يكتب استرحامًا يتشفّع به عند عبد الناصر قائلًا: “إن هذه الأصبع التي تشهد لله بالوحدانية لترفض أن تكتب استرحامًا للطاغية”. وكان جوابه وعبارته التي تكتب بماء الذهب لمن قالوا له: إن خروجك من السجن بعد الاسترحام وعدم تنفيذ حكم الإعدام سيحفظ أبناء الدعوة وأجيالها، لأن في إعدامك خسارة، وقد تكون نهاية جيل الدعوة، فقال مضيفًا: “إن جيلًا زرعته يد الله لن تحصده يد البشر”.
ومثل هؤلاء العظماء كان البطل الشهيد عمر المختار، وقد قيل له في أوج مواجهته ومقارعته بطش وغطرسة إيطاليا وهي تستعمر وطنه وبلاده ليبيا وتقتل شعبها وتشرّده: “إن إيطاليا تملك طائرات ونحن لا نملكها، فكيف لنا أن نواجه ونتحدى إيطاليا؟ فقال: هل طائراتهم تحلّق فوق العرش أم تحت العرش؟ قالوا: بل تحت العرش، فقال: إذا كان مَن فوق العرش معنا فلن يخيفنا كلُّ من هم تحت العرش”. وظلّ يقارعهم حتى وقع أسيرًا، ثم أعدم رحمه الله.
ومثل كوكبة الأبطال الثابتين على العقيدة والمبدأ كان المرحوم نجم الدين أربكان مؤسس وباني نهضة تركيا الحديثة، وهو أستاذ ومعلم الرئيس التركي رجب أردوغان. لقد سُجن أربكان مرّة ومرّة، ولوحق عشرات السنوات، وحُلّت الأحزاب التي كان يؤسسها للعمل السياسي بسبب خوف حكام تركيا العلمانيين من التفاف الناس حوله، حتى أنه أصبح رئيسًا للوزراء عام 1996، فأطاحوا به بانقلاب عسكري بعد سنةٍ من فوزه في الانتخابات وكان ذلك في العام 1997، تمامًا كما أطاح أشباهُهم بالرئيس الشهيد مرسي في مصر في العام 2013، بعد سنة من فوزه في انتخابات 2012. كان جواب أربكان رحمه الله لمن ظنّوا أنهم بذلك قد قضوا على المشروع الإسلامي والنهضة الإسلامية في تركيا: “إن الحركة الإسلامية وإن المشروع الإسلامي مثل شعر الوجه؛ كلما حُلق عاد ونبت أقوى مما كان”.
فهل كان ابن حنبل وابن تيمية وسيّد قطب وعمر المختار وأربكان أشخاصًا متحمّسين ومتهوّرين، ولا يجيدون قراءة الواقع وفقه الموازنات؟! وهل كانوا يبحثون عن الشهرة فعاكسوا التيار ليقال عنهم أبطال؟! حاشاهم من ذلك! فما هكذا نحسبهم والله حسيبهم، ولا نزكّيهم على الله. وهل يعقل أن نفتخر ونعتز بسيرة هؤلاء الثابتين على الحقّ ورافعي راية الخير الذين لم يتنازلوا ولم يساوموا، بينما نعتبر من يسيرون في هذا الزمان على نهجهم ويحافظون على ثوابت شعبهم ولا يساومون الظالمين على مقدّساتهم، وفي مقدّمتها المسجد الأقصى، هل نعتبر هؤلاء متهوّرين ومتحمّسين، ولا يجيدون فقه الموازنات والمناورات السياسية، وفق تنظير أصحاب هذه المناورات؟!
لا نقيل ولا نحيد
إن تاريخ وسيرة الأنبياء عليهم السلام، وإن تاريخ وسيرة نبيّ هذه الأمّة ﷺ، وصحابته ومن ساروا على نهجهم يعلّمنا أن الامتحان والابتلاء والشدّة لا تزيد أصحاب المبادئ وحملة العقيدة والرسالات إلا صلابة في مواقفهم، وأن هذا الثبات والصلابة على الموقف هي من تجعل أفكارهم حيّة، وأن الرسالات التي ماتوا لأجلها فإنها لا تموت أبدًا لأنها تغذّت واستمدت بقاءها من عرَق ودماء من بذلوا أنفسهم في سبيل الله لأجلها.
وما أجمل وأصدق ما قال الشيخ القرضاوي رحمه الله، في ردّه على من قالوا إن هذه الدعوة وإن المشروع الإسلامي سيندثر ويتلاشى بموت ورحيل قادته أو بسجنهم، فقال رحمه الله:
تالله ما الدعوات تُهزم بالأذى أبدًا وفى التاريخ برّ يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكريَ ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدَي ربي، وربي ناصري ومعيني
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي وأموت مبتسمًا ليحيى ديني
فأمام وبين يدَي أساتذة وعمالقة مدرسة الثبات، ومنهم من سُجن ومنهم من نُفي ومنهم من شُنق أو قتل: {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [سورة الأحزاب: 23]، فإننا نسمع لتلك الأصوات المبحوحة من رعاع مهرّجي السياسة، قصيري النظر ممن أعمى بريق الإعلام والمناصب والمال أبصارهم، فراحوا يعتبرون الثبات على المبدأ وعدم المساومة على المنهج تهورًا. وبينما غيرهم يتسلّح بالآيات والأحاديث ومواقف وسيرة الأبطال العظماء، فإنهم راحوا يتسلّحون بالأمثال الشعبية وليدة سنوات ومراحل الضعف والهزيمة التي مرّت بها الأمّة، فتجدهم يقولون: “حطّ راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس”، “اللي بيجيش معاك تعال معه”، “الكفّ ما بتلاطم مخرز”، “بوس الكلب من ثِمُّه تتوخذ حاجتك مِنُّه”. وإننا على منهج الله ورسوله وسيرة الأبطال والثابتين، نمضي لا نقيل ولا نحيد حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
يوم الاثنين الأخير 20/7/2026 كانت جلسة النطق بالحكم في التهم الموجهة لي في الملف المعروف بملف “هبة الكرامة” والذي جاء عقب اعتقالي يوم 14/5/2021 مدة أربعين يومًا، ومن يومها لم تتوقف الملاحقات والتضييق بين منعي من الخطابة، وإبعادي عن البيت، ومنعي من السفر، ومنعي من دخولي للمسجد الأقصى المبارك.
كنت على يقين أن كل هذه الملاحقات تهدف لمحاولة إخافتي وترهيبي ومساومتي على قناعاتي وثوابتي، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك ووحدانية حقنا فيه، وهذا ما لم يكن بإذن الله تعالى.
بعد 50 جلسة في أروقة المحاكم صدر القرار عليّ بخدمة الجمهور لمدة ٩ أشهر -ليس سجنًا فعليًا- بعد مطالبة النيابة بالسجن الفعلي لمدة تتراوح بين ٣٠-٥٠ شهرًا. وأيا كان سيكون قرار المحكمة فإنه طريقنا الذي اخترناه وسنمضي عليه، لا نقيل ولا نستقيل. لا نعرف المساومة ولا التلعثم في موقفنا من قضايا أمتنا. نعتز والحمد لله بأننا من مدرسة أولئك الذين تقدّم ذكرهم في المقال، ولن يكون يومًا مع أدعياء الواقعية والمناورات السياسية المراهقة، التي تبيع الوهم لأبناء شعبنا.
سنمضي في خدمة ديننا وشعبنا ما دام فينا عرق ينبض حتى يتحقق فينا موعود الله تعالى، الذي نزيد كل يوم يقينا أننا على أبواب تحقيق هذا الوعد.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون





