الأخبار الرئيسيةقبسات إخباريةمحطات فكرية

حين تزول الأقنعة، وتنكشف عتمة العالم: قراءة نفسية، وحلول بما يخص مشاعر الناس بعد فضيحة إبستين

بقلم: د. رائدة بدران.

مقدّمة: الصدمة التي لا تأتي من الجريمة وحدها.

ليست صدمة الناس من فضيحة إبستين نابعة فقط من بشاعة الجريمة،بل من انهيار صورة العالم الآمن، ومن الإحساس القاسي بأن الشر لم يعد هامشيًا، بل متغلغلًا في مراكز القوة،

ومحصّنًا بالصمت، والمال، والنفوذ.

هنا لا يسأل الإنسان: كيف حدث هذا؟

بل يسأل بقلق أعمق:

إن كان هذا يحدث في القمة ،فماذا بقي من الأمان؟

أعزائي وأهلي اورد لكم بعض المحاور كأداة للتعامل مع هذا الحدث:-

أولًا: ما الذي يشعر به الناس نفسيًا؟ (تفكيك المشاعر بدل إنكارها)

1. الاشمئزاز والغضب. والغضب هنا صحي، لأنه تعبير عن بوصلة أخلاقية لم تمت.

والاشمئزاز دليل أن الفطرة ما زالت حيّة، وأن النفس لم تتبلّد.

2. الخوف الوجودي

ليس الخوف من الجريمة،

بل من انكشاف هشاشة النظام الذي يفترض أن يحمي الافراد، والمجتمعات.

فالإنسان يحتاج من أجل ان يعيش بأن يؤمن بوجود حدٍّ أدنى من العدالة.

3. فقدان الثقة

وهذا أخطر ما في الأمر:

حين تبدأ النفس المصدومة بالهمس:

“إن كانوا يفعلون هذا… فماذا يخفون بعد؟”

هنا قد ينزلق البعض إلى التعميم، والى الاعتقاد أن العالم فاسد بالكامل، وأن الخير وهم.

4. الصراع الداخلي بين المعرفة والطمأنينة.

نريد أن نعرف الحقيقة،

لكن الحقيقة أحيانًا مُرهِقة نفسيًا، فنقع بين رغبة الفهم، وحاجة القلب للسلام.

ثانيًا: كيف يفسّر الناس لأنفسهم ما يحدث؟ (آليات نفسية شائعة)

1. التهوين أو الإنكار

“كل هذا مبالغ فيه…”

وهي محاولة لا واعية لحماية النفس من الانهيار.

2. التعميم القاتل

“كل الأقوياء فاسدون”

“لا عدالة في هذا العالم”

وهذا يريح الغضب، لكنه يقتل الأمل.

3. الارتياب المرضي ، بموجبه يتحول الوعي إلى شكّ دائم، يفقد الإنسان شعوره بالأمان الداخلي.

وهنا تكمن أهمية القراءة المتزنة:

أن نفهم دون أن نغرق،

وأن نُدين الشر دون أن نُسلِّم له صورة العالم كما يريده.

ثالثًا: كيف نشرح ما يحدث لأبنائنا؟ (دون ترويع… ودون كذب)

1. الصدق المناسب للعمر

لا نكذب، لكن لا نُحمِّل الطفل ما لا يحتمله.

يمكن القول:

“هناك أناس أساؤوااستخدام قوتهم، وهذا خطأ كبير،

لكن ليس كل الناس هكذا.”

2. الفصل بين الجريمة والعالم كله.

فمن أخطر ما يمكن قوله للطفل:

“العالم مكان سيئ”

والأدق هو ان نقول:

“في العالم خير وشر،

ونحن نعلّمك كيف تميّز بينهما.”

3. إعادة مركز الأمان إلى الأسرة ليعلم الطفل أن:

هناك بالغون يحاولون الحماية.

وهناك قيم لا تسقط بسقوط أشخاص.

رابعًا: القراءة الدينية العميقة: لماذا لا تُفاجئنا هذه الانكشافات؟

الدين لا يَعِدُنا بعالم ملائكي،

بل بعالم ابتلاء.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾

والفرق الجوهريه ان :

الدين لا يبرر الشر ولا يُصدم بوجوده، لكنه يرفض أن يكون هو القاعدة.

والعدالة الربانية لا تتساوى مع العدالة البشرية ،فالعدالة البشرية قد تُخترق، لكن العدالة الإلهية لا تسقط بالتقادم. وهنا يطمئن القلب الى الحقائق الدينية التي تعلمناها واطمأننا بها:

فليس كل حساب علني، ولا كل نهاية قصة او نيل أمنية محصورة في هذه الدنيا الفانية.

خامسًا: كيف نحافظ على الأمل دون سذاجة؟

1. الأمل ليس إنكارًا للواقع ، بل الأمل الناضج يرى الشر،

لكنه لا يسمح له بتعريف معنى الوجود.

2. الأمان الحقيقي داخلي

ليس في الأشخاص، ولا في الأنظمة،بل في قيم راسخة وضمير حي ويقين بأن الله يرى، حتى حين يصمت العالم.

3. دورنا التربوي والأخلاقي

نربي أبناءنا وبناتنا على:

احترام الجسد، وندربهم على قول “لا” ، على عدم تقديس السلطة،فهذه الأدوات هي مقاومة صامتة للشر،

وأقوى من ألف فضيحة أو نشر.

سادسا _ الخلاصة: حين تنكشف العتمة… لا تطفئ النور داخلك

فضائح كهذه ليست دعوة لليأس، بل اختبار. والسؤال الذي يتمخض عن هذا هو هل نسمح للشر أن:

يُفزعنا؟

أم يُوقظ وعينا؟

أن نخاف قليلًا هو أمر شرعي ومفهوم،وأن نحزن هو شعور إنساني،لكن أن نفقد إيماننا بالخير، فذلك انتصار مجاني للظلم.

أيها القارىء/القارئة، مهما اشتد الخطب، ابقَ يقظًا دون أن تصبح قاسيًا، وواعيًا دون أن تفقد الطمأنينة ابق شامخا معتزا بدينك الذي علمك كيف يكون الانسان حقا وكيف تتجسد الأخلاق، وابق على يقين بأن الله لا يغفل وإن تأخر الحساب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى