مقال الشيخ كمال خطيب: “يا محمّد مبروك عليك”

الشيخ كمال خطيب
كلّما عظم الخطب وكلّما علا صوت الباطل وكلما ازداد الليل حلكة وكلما حاصرتنا الفتن من كل ناحية وجانب، وكلّما صوّبت علينا السهام الغادرة ليست من الأعداء وإنما من الأشقاء، وكلّما نهشت أعراضنا كلاب وضباع الخائنين والمتخاذلين، كلّما كان ذلك وأكثر منه، تأتي ذكرى مولد الحبيب محمد ﷺ وتهب علينا نفحاتها ونسماتها لتكون هي البلسم لجراحنا والنور الذي يبدّد حلكة ظلمتنا والأمل الذي نطارد به فلول يأسنا وإحباطنا.
تهبّ علينا نسائم ونفحات ذكرى مولد الحبيب محمد ﷺ لتجدد فينا العزم والعهد، ونجدد البيعة للحبيب محمد ﷺ أننا نحن أصحابه وأحبابه الذين آمنوا به ولم يروه، وأننا سنظلّ نرفع رايته نقارع بها أحفاد أبي جهل، ونفضح أحفاد أبي رغال، ونهزم أحفاد أبرهة، ونمرغ أنوف كل من يتطاول على محمد وعلى دين محمد وعلى قرآن محمد وعلى أمة محمد ﷺ.
جاء الحبيب إلى الوجود يتيمًا والكون في درب الظلام سقيما
فأنار للكون العليل ظلامه بشريعة لا تقبل التقسيما
فيه الشفاء لكل قلب موجع ومزاجها بين الورى تسنيما
يا مؤمنون بأن أحمد مرسل صلّوا عليه وسلموا تسليما
تهلّ علينا ذكرى مولد الحبيب محمد ﷺ لنقول له: إننا مشتاقون يا رسول الله، وإننا عطاش يا رسول الله، ولن يبرد شوقنا ويروي عطشنا إلا يوم نلقاك ونرد حوضك يا حبيب ونسقى من يدك الشريفة شربة لا نعرف بعدها ظمأ ولا عطشًا، ليطيب فيها المقام بصحبتك والنظر إلى وجهك. وقد سئل أحد العلماء وقيل له صف لنا الجنة؟ إنه لم يصف لهم أنهارها وأشجارها وثمارها وحورياتها وطعامها وشرابها، ولكنه اختصر ذلك كله بقوله: إن فيها رسول الله ﷺ.
يا بارئ الكون في عزّ وتمكين وكل أمر جرى بالكاف والنون
يا من لطفت بحالي قبل تكويني لا تجعل النار يوم الحشر تكويني
يا رب إن ذنوبي في الورى عظمت وليس لي عمل في الحشر ينجيني
فلقد أتيتك بالتوحيد يصحبه حبّ النبي وذاك القدر يكفيني
حبيبي وأنت الذي نهيت أصحابك عن الوقوف تعظيمًا لك إذا دخلت عليهم، لكنهم ورغم طاعتهم لك ورغبتهم بعدم مخالفة أمرك وقد دخلت عليهم مرة، لكنهم وبغير شعور فإنهم قد قاموا لك وفي حضرتك فكان منك الانفعال والانزعاج، وقد رأى حسان بن ثابت منك ذلك فأنشد يقول:
وقوفي للحبيب عليّ فرض وترك الفرض ما هو مستقيم
عجبت لمن له عقل وفهم يرى هذا الجمال ولا يقوم
أحفاد أبي رغال
وإذا كان المحبون والمشتاقون يعاهدونك على السير والاقتداء بك، إلا أن هناك من اختاروا أن يكون قدوتهم في هذا الزمان أبا رغال، ذلك العربي القذر الذي ارتضى لنفسه في عام مولدك يا رسول الله ﷺ أن يكون دليل الغزاة والمحتلين من الأحباش الذين جاءوا أرض العرب واحتلوها سعيًا لهدم كعبة العرب وقبلتهم، حيث أنه أرشدهم لأقصر وأسرع الطرق للوصول إلى مكة رغم معرفته بمرادهم وتخطيطهم.
وإن أبي رغال في هذه الأيام أحفاد وأشقياء رغم أنهم من أمة محمد ﷺ من الذين اختاروا لأنفسهم مهمة ترويض شعوب الأمة وإفسادها وإذلالها ليكون الطريق سهلًا وقصيرًا أمام أعداء الأمة لاستباحة مسجدها الأقصى وتدمير غزة، بل ولجعل الأمة كلها ترفع الراية البيضاء بين يدي الظالم بل وتحت قدميه وحذائه.
لقد وصلت بهم القذارة والغدر بل والردة أن ينالوا من مقام رسول الله ﷺ ويقدّموا عليه في التعظيم حثالات مارقين رغم أن أحدهم يتسمى باسم رسول الله ﷺ وهو محمد بن سلمان، وقد قال أحد بطانة السوء من حاشيته الفاسدة: “جاء محمد بن عبد الله ليصحح عقيدة إبراهيم الخليل، ونحن في زمان نحتاج فيه لمن يصحح عقيدة محمد بن عبد الله”.
إنه يقصد أن المصحح والمجدد هو محمد بن سلمان. ورغم أن قزمًا آخر يتسمى باسم رسول الله ﷺ هو محمد بن زايد، وقد قال أحد بطانة السوء من الرعاع حوله: “إذا كان قدوة الإرهابيين محمدًا بن عبد الله، فإن قدوة الإماراتيين محمد بن زايد”.
هكذا هم في جزيرة العرب مهد الإسلام ومولد محمد ﷺ، هكذا هم في مملكة الفجور والشرور وفي إمارات العهر والخمر، لقد وصل بهم الأمر أن يستقبلوا الوزيرة الإسرائيلية ميري ريجف بعد أيام من تحريضها ودعوتها لإسكات صوت الأذان في مساجد أرض الإسراء والمعراج، ووصل بها الأمر إلى حد وصف الأذان بقولها: “إنه نباح كلاب محمد”، بل وصل بها الأمر وهي تتجول في مسجد زايد في أبو ظبي فراحت تمدح جماله واتساعه فقالت: “إنه المسجد الثالث في أهميته في الإسلام”.
إنها أرادت أن تقول بأن المسجد الثالث في القدسية وهو المسجد الأقصى بأنه ليس مسجدًا وإنما هو كنيس ومعبد وهيكل، وهذا ما نصّت عليه الديانة الإبراهيمية التي يروّج لها الفاسد والفاجر بن زايد من أن لكل أتباع الديانات من سلالة إبراهيم الحق بالصلاة في جبل الهيكل، في نفي واضح وصريح لوحدانية حقّ المسلمين بالمسجد الأقصى المبارك.
ما أكثرهم أحفاد أبي رغال في هذه الأيام ممن يتسابقون لتقديم الخدمة ماديًا ومعنويًا للمحتل الإسرائيلي الذي يستبيح الأمة كلها بما يمارسه في المسجد الأقصى وبما يرتكبه من جرائم في غزة وبما يعلنه عن مخططه لإقامة إسرائيل الكبرى.
واهمون وأغبياء
لقد اختار طاغية الأحباش يومها أبرهة أن تتقدم جيوشه المتوجهة لهدم الكعبة “الفيلة” لتكون هي سلاح الرعب غير التقليدي فتفرّ من أمامها خيول وجمال العرب إن حاولوا الدفاع عن الكعبة وبيت الله الحرام.
لكن الله جلّ جلاله والبيت الحرام بيته والكعبة كعبته، أراد لهذه الفيلة ومن يعتز ويستقوي بها أن تكون آية وعبرة بعد أن قال عبد المطلب جدّ رسول الله ﷺ “إن للبيت ربًّا يحميه” فحمى الله بيته وسلّط على أعظم مخلوقاته “الفيلة” أصغر وأضعف مخلوقاته “الطير الأبابيل” تلقي عليها وعلى من يركبها حجارة من سجيل لا يزيد حجم الواحد منها على حجم حبة الحمص فتهلكها {أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ*أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ*وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ*تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ*فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ} [سورة الفيل].
وليس أنه سبحانه قد أذلّ الأحباش وأخزاهم وطوى صفحة مجدهم في ذلك العام، وإنما هو الذي أعزّ العرب وأعلى ذكرهم وفتح صفحات مجدهم وأعزّهم بأن ولد في عام الفيل محمد بن عبد الله ﷺ رسول الله الأمين ورحمة الله للعالمين. فإذا كان مولده ﷺ في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، فإن مولده كان بداية ربيع الأمة بل البشرية كلها { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[2 سورة الجمعة]، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[128 سورة التوبة].
لقد خاب فأل أبرهة الحبشي وعميله أبو رغال العربي في عام مولده ﷺ، وسيخيب فعل أبرهة الإسرائيلي والأمريكي وعملائه من أحفاد أبي رغال
.
وكم توعد هذا البيت أبرهة والفيل هاج وهذا الجفن ما رفّا
نحن الطيور الأبابيل التي حملت من طين سجيل حتفا يحمل الحتفا
سينهض الطفل ابن العشر في فمه مليون لا: تتحدى عشرة ألفا
على جدار بلا قلم سيكتب: لا للطارئين ولا للسجن والمنفى
إن كان حظك أن الدعوة انطلقت وأنت حيّ فهذا حظك الأوفى
واهمون وأغبياء أولئك الذين يظنون أن كثرة إشعال النار حول الذهب ستفسده، وإنما هي ستزيده نقاء وصفاء وبريقًا ولمعانًا وتنفي عنه الخبث والزيف. حمقى وواهمون أولئك الذين يظنون أن كثرة الضرب على الوتد ستضعفه، وإنما هي التي ستزيده تجذرًا وتمنعًا وصلابة.
زجاجة عطر من دماء أطفال غزة
ها هي ذكرى مولد رسول الله ﷺ تتفيأ الأمة ظلالها وتتنسم نفحاتها العطرة، بينما يعيش جزء عزيز من هذه الأمة الألم والوجع والقهر والخذلان. وكيف لا يعيش الخذلان أهلنا في غزة والأمة كلها تخالف هدي رسولها ﷺ لما قال: “المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ولا يخذله”. وقال: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
إنهم أهلنا في غزة مخذولون ويتوجّعون ولا أحد يسمع شكواهم. يقول الأديب الشاعر الفيلسوف المسلم محمد إقبال وهو يزور قبر حضرة رسول الله ﷺ فيعيش شعورًا أن النبي ﷺ يسأله قائلًا: ماذا حملت إلينا من هدية؟ فيعتذر أنه لم يحمل له من هدايا الدنيا قائلًا: إنها لا تليق بمقامك يا حبيبي يا رسول الله، ولكنني جئت إليك بهدية هي زجاجة يتجلّى فيها شرف أمتك المدنّس ودمها المسفوك هو دم شهداء طرابلس قتلهم الطليان.
وإننا وفي ذكرى مولدك يا حبيب الله والمسلمون بملايينهم يزورون روضتك وقبرك الشريف، فلو سألت كل واحد منهم عمّا يحمل إليك، فلعلّ كل واحد منهم سيقول لك إنه يعتذر عن هدايا الدنيا ولكنه يحمل إليك زجاجة فيها يتجلّى شرف أمتك المدنّس ودمها المسفوح وكرامتها الممرغة بالذلّ، إنها زجاجة فيها عبق دماء أكثر من 62,000 شهيد من رجال ونساء وأطفال غزة، وأكثر من 150 ألفًا من جرحاهم.
أهل غزة التي فيها قبر جدّك هاشم، فمنذ سنتين وهم يستنجدون بإخوة العرب فلا ينجدونهم، ويستجيرون بإخوة الإسلام ولا يجيرونهم، ويستغيثون بإخوة الإنسانية فلا يغيثونهم، ولكن مرارة خذلان إخوة العروبة والدين هي أشدّ مرارة.
وإذا كانت قبائل عربية في عام مولد رسول الله ﷺ قد ارتعدت فرائصها خوفًا من أبرهة ورفعت الراية البيضاء وراحت تنظر من بعيد إلى أبرهة وجيشه الزاحف لهدم كعبة العرب، بل وأرسلوا أبا رغال ليكون دليل أبرهة إلى مكة، فإن قبائل عربية اليوم قد أصبحت تسمى دولًا ليس فقط أنهم منحرفون وجبناء وإنما هم شركاء لنتنياهو أبرهة الإسرائيلي، مدعومًا بأبرهة الأمريكي ترامب وهو يزحف بجيشه يدمر غزة هاشم ويقتل ويجوّع ويحيل غزة خرابًا يبابًا.
إنهما ترامب ونتنياهو، ومن تل أبيب وواشنطن يرتكبان أبشع جرائم يرتكبها الإنسان منذ الحرب العالمية بما يمارسانه بحق أهل غزة نسائهم وأطفالهم وشيوخهم.
واشنطن من مكة ذرة وتل أبيب من طيبة كالهباء
فمن طيبة شعّ نور الهدى ومن تل أبيب شاع سفك الدماء
إني لأتنسم عطر الربيع
مثل ما كان حال العرب قبل مولد رسول الله ﷺ في خريف زمانهم حيث الفرقة والجهل والجاهلية وصراع القبائل والذلّ للفرس والروم وفوق ذلك كله عبادة الأصنام، فحوّل الله خريف العرب إلى ربيع بمولد ﷺ. وها هي أمة العرب اليوم بما هي عليه من ذلّ وهوان وتسلّط الأعداء وخيانة الزعماء، وبما هي عليه من ذلّ وتبعية لأمريكا وانضباع لإسرائيل ورعبًا منها حيث يروّج لذلك أحفاد أبي رغال، ففي ظلّ هذا الخريف وقسوته وجفافه، فما أحوج الأمة إلى ربيع إسلامي يعيد لها نضارتها ومجدها.
وإنني على يقين أننا بين يديّ وعلى أبواب زمان ومرحلة نطوي فيها عهد الفاسقين، السيسي ومحمد بن سلمان وبن زايد وأشباههم من أحفاد أبي رغال، ونسمع فيها نداء محمد بن عبد الله المهدي حفيد رسول الله ﷺ فيلتف حوله خيار الأمة ونجبائها وما أكثرهم، قال رسول الله ﷺ: “لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانًا ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا”. وقال ﷺ: “لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلًا مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا”.
إننا بين يديّ ربيع إسلامي به نضمد جراحنا لتصبح آلامنا وأحزاننا من الماضي الذي لن يعود بإذن الله تعالى. نعم فللمسجد الحرام ربّ يحميه وللمسجد الأقصى ربّ يحميه ولغزة ربّ يحميها وللإسلام ربّ يحميه. وإذا كان أهل الجزائر بعد زوال الظلم والاستعمار الفرنسي عن بلادهم قد هتفوا وقالوا:
يا محمد مبروك عليك الجزائر رجعت إليك
فإنهم والله أهل الجزائر وأهل مصر وبلاد الحرمين وبلاد الشام وكل بلاد الإسلام، وعندما يندحر الظلم والقهر والاحتلال عنها وهو مندحر حتمًا ويقينًا وقريبًا، فإنها كلها ستهتف كما هتف أهل الجزائر:
يا محمد مبروك عليك الأمة رجعت إليك
وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.